أعادت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن إمكانية اضطلاع سوريا بدور في تسهيل عمليات أكثر دقة ضد حزب الله في لبنان، فتح باب التساؤلات عن طبيعة الدور الذي قد يُطلب من دمشق أداؤه في المرحلة المقبلة، ومدى استعداد الإدارة السورية الجديدة للاستجابة لمطالب أميركية محتملة تتعلق بملف الحزب والنفوذ الإيراني في المنطقة.
وجاءت هذه التصريحات في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات سياسية وأمنية متسارعة، وسط جهود أميركية وإسرائيلية متواصلة لإعادة رسم التوازنات الإقليمية، ومحاولات للحد من نفوذ القوى المرتبطة بإيران في عدد من الدول العربية، وعلى رأسها لبنان.
في المقابل، تبدو سوريا منشغلة بأولويات داخلية تتعلق بإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحقيق الاستقرار الأمني والاقتصادي، وهو ما يطرح تساؤلات عن مدى قدرتها أو رغبتها في الانخراط في أي أدوار إقليمية ذات طابع عسكري أو أمني خارج حدودها.
دمشق وبيروت.
مسار جديد للعلاقات الثنائيةبحسب مصدر حكومي لبناني، فإن الحديث عن تدخل عسكري سوري ضد حزب الله لا يستند إلى معطيات واقعية في الوقت الراهن، مؤكداً أن المواقف المعلنة للرئيس السوري أحمد الشرع والحكومة السورية تقوم على احترام سيادة لبنان وعدم التدخل في شؤونه الداخلية.
وأشار المصدر إلى أن العلاقات السورية اللبنانية تشهد منذ أشهر مساراً تصاعدياً يقوم على التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولتين، بعيداً عن الصيغة التي حكمت العلاقة خلال العقود الماضية.
ويُنظر إلى زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى دمشق بوصفها محطة مهمة في هذا السياق، إذ فتحت الباب أمام تطوير آليات تعاون منتظمة في ملفات ضبط الحدود، ومكافحة التهريب، والتعاون الأمني والقضائي، إضافة إلى معالجة عدد من الملفات العالقة بين البلدين.
ويبدو واضحا من تصريح المسؤولين في البلدين أن الأولوية المشتركة حالياً تتمثل في تعزيز الاستقرار ومنع انتقال التوترات الأمنية بين البلدين، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية التي يواجهها كل من لبنان وسوريا.
يرى الصحفي محمد بارودي أن تصريحات ترامب لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد موقف إعلامي عابر، بل ينبغي قراءتها في إطار التحولات الإقليمية الجارية والضغوط المتزايدة على حزب الله خلال الفترة الأخيرة.
ويشير بارودي في حديثه لتلفزيون سوريا إلى أن استخدام ترامب لمصطلح" التدخل الجراحي" يحمل دلالات أمنية وعسكرية محددة، توحي بإمكانية التفكير بعمليات محدودة ودقيقة تستهدف مواقع أو شبكات مرتبطة بالحزب، بدلاً من اللجوء إلى مواجهة عسكرية واسعة النطاق.
ويضيف أن الولايات المتحدة تنظر إلى حزب الله باعتباره الحلقة الأهم المتبقية ضمن شبكة النفوذ الإيراني في المشرق العربي، بعد التغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي يفسر استمرار الضغوط السياسية والأمنية الرامية إلى تقليص قدراته العسكرية واللوجستية.
كما يلفت إلى أن بعض دوائر القرار في واشنطن قد ترى في التعاون السوري المحتمل وسيلة أقل كلفة من التدخلات العسكرية المباشرة، خاصة في المناطق الحدودية المعقدة جغرافياً بين سوريا ولبنان.
إلا أن بارودي يحذر في الوقت نفسه من أن أي انخراط سوري مباشر في هذا الملف قد يفتح الباب أمام تداعيات أمنية وسياسية واسعة، ويؤدي إلى توترات داخلية وإقليمية يصعب احتواؤها.
لماذا تستبعد دمشق خيار التدخل؟في المقابل، يؤكد الباحث السياسي علي عبد المجيد أن القراءة السورية الرسمية للمشهد تختلف بشكل كبير عن بعض التصورات المطروحة في واشنطن أو تل أبيب.
وبحسب عبد المجيد، فإن عنوان السياسة السورية الحالية يقوم على دعم استقرار لبنان ووحدة أراضيه، وليس الانخراط في صراعات داخلية أو إقليمية جديدة.
ويشير في حديثه لتلفزيون سوريا إلى أن التحركات العسكرية السورية على الحدود خلال الأشهر الماضية كانت مرتبطة بضبط عمليات التهريب وملاحقة مجموعات خارجة عن القانون، إضافة إلى حماية الأمن الحدودي، وليس لها أي صلة بالتحضير لعمليات داخل الأراضي اللبنانية.
ويضيف أن الذاكرة اللبنانية ما تزال تحتفظ بصورة سلبية عن حقبة التدخل السوري السابق، ما يجعل أي عودة لدور عسكري سوري في لبنان مسألة شديدة الحساسية، ليس فقط بالنسبة للبنانيين، بل أيضاً بالنسبة لكثير من السوريين الذين لا يرغبون في إعادة إنتاج تجارب الماضي.
كما أن الوضع الاقتصادي والأمني في سوريا لا يشجع على الانخراط في مغامرات خارجية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى توجيه مواردها المحدودة نحو إعادة الإعمار وتحسين الظروف المعيشية وتعزيز الاستقرار الداخلي.
هل تملك واشنطن أوراق ضغط على دمشق؟رغم استبعاد التدخل السوري المباشر ضد حزب الله فإن التساؤلات تبقى مطروحة عن قدرة دمشق على رفض أي مطالب أميركية محتملة إذا ما ارتبطت بملفات حساسة، مثل العقوبات الاقتصادية أو الدعم الدولي.
ويرى عبد المجيد أن الولايات المتحدة تمتلك بالفعل أدوات ضغط متعددة على سوريا، إلا أن الإدارة الأميركية تدرك في المقابل أن زجّ دمشق في مواجهة مع حزب الله قد يهدد الاستقرار الذي تسعى هي نفسها إلى دعمه داخل سوريا.
ويشير إلى أن أي تصعيد عسكري جديد قد ينعكس سلباً على جهود إعادة بناء الدولة السورية، ويخلق بؤر توتر إضافية في منطقة تعاني أساساً من أزمات متراكمة.
لذلك، فإن الخيار الأكثر واقعية من وجهة نظره يتمثل في تعزيز التعاون الأمني وتبادل المعلومات بين دمشق وبيروت، بدلاً من الدفع نحو أدوار عسكرية مباشرة قد تكون كلفتها مرتفعة على جميع الأطراف.
بين الضغوط والتوازنات الإقليميةيرتبط مستقبل هذا الملف أيضاً بمآلات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران، إذ يرى الباحث علي عبد المجيد أن أي تفاهمات محتملة بين الطرفين قد تنعكس مباشرة على وضع حزب الله ودوره الإقليمي.
فإذا نجحت المسارات السياسية والدبلوماسية في خفض التوتر، قد تتراجع الحاجة إلى خيارات أكثر حدة.
أما إذا تعثرت تلك المسارات، فقد تزداد الضغوط على الحزب وعلى الأطراف المرتبطة ببيئته الإقليمية، بحسب الباحث عبد المجيد.
وفي هذا السياق، تبدو سوريا حريصة على تجنب الانخراط في محاور متصارعة، والعمل بدلاً من ذلك على بناء علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية والدولية بما يخدم مصالحها الوطنية.
خيارات دمشق وحدود المناورةفي المحصلة، تبدو احتمالات التدخل العسكري السوري داخل لبنان بعيدة في المدى المنظور، في ظل المواقف الرسمية المعلنة، وحجم التحديات الداخلية التي تواجهها دمشق، فضلاً عن حساسية الملف اللبناني وتعقيداته.
ومع ذلك، فإن استمرار الضغوط الأميركية على حزب الله، والتطورات المرتبطة بالنفوذ الإيراني في المنطقة، سيبقيان هذا الملف حاضراً في النقاشات السياسية خلال المرحلة المقبلة.
وبين الرغبة في تعزيز العلاقات مع الغرب والحصول على دعم اقتصادي وسياسي، وبين الحرص على عدم الانجرار إلى صراعات جديدة، تجد الإدارة السورية نفسها أمام اختبار دقيق يتطلب موازنة معقدة بين متطلبات السياسة الخارجية وأولويات الاستقرار الداخلي.
وفي ظل هذه المعادلة، يبدو أن سوريا ستواصل التمسك بخيار التعاون الأمني والسياسي مع لبنان، مع تجنب أي انخراط عسكري مباشر قد يعيد فتح ملفات تاريخية لا يرغب أي من البلدين في العودة إليها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك