" حرب اليوم الواحد"، أو" حرب الـ17 ساعة"، أو" حرب انتكاسة إسرائيل"، تسميات كثيرة أطلقت على الهجمات المتبادلة الأخيرة بين إيران وإسرائيل، بعد أن قرر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير أمنه يسرائيل كات، شن هجوم على الضاحية الجنوبية لبيروت إثر ضغوط من الوزراء وسكان الشمال، لتطرح اليوم أسئلة من قبيل، أين إسرائيل بعد سلسلة الأحداث التي أعقبت هذا القرار المتسرع، كما يصفه إسرائيليون؟ وماذا حققت تجاه إيران؟ وماذا يمكن أن تحقق تجاه لبنان؟ وهل يمكن لإسرائيل أن تهاجم الضاحية إذا كانت عملياتها في جنوب لبنان تحقق أهدافها من هذه الحرب؟وجاء الرد الواضح على واحد فقط من هذه الأسئلة الكثيرة، خلال اجتماع تقييمي استمر حتى ساعات متأخرة من مساء أمس الإثنين، بعد محادثة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع نتنياهو، إسرائيل تواصل قصف صور والنبطية وجنوب لبنان، وحصلت على ضوء أخضر من واشنطن لتنفيذ عملية محددة في الضاحية لا تنفذ إلا بعد تنسيق معها وضمان أنها ستكون محددة ولا تشمل مدنيين.
أما تجاه إيران، فأجمع أمنيون وعسكريون وباحثون على أن إسرائيل التي دخلت حرب" زئير الأسد"، عادت بأسد مرهق ومهزوم وليس فقط من دون نتيجة، بل إن خضوع نتنياهو لمطلب ترمب بوقف الحرب من دون شرطين أساسيين، اتفاق يضمن أسلحة غير نووية وحرية سلاح الجو الإسرائيلي في إيران لمواجهة أية تحركات نحو صناعة قنبلة نووية، يفقد إسرائيل أي إنجاز لها.
وفي تقديرات المؤسسة الأمنية بعد اجتماع أمس، فإن الجولات المقبلة ليست سوى مسألة وقت، وهذا ليس في المصلحة الإسرائيلية لأن كل جولة كهذه تؤثر في الاقتصاد والمواصلات والسياحة وأمور كثيرة جداً.
وقال مسؤول أمني شارك في الاجتماع إن المؤسسة الأمنية ترى أن دولة إسرائيل تجد نفسها أمام واقع نرى فيه أن الوضع في الشمال بقي كما كان.
وقول نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إنه يمكن التوصل إلى اتفاق طويل الأمد مع إيران يعني بصورة واضحة أنه لن يكون في مصلحة إسرائيل، لأن الولايات المتحدة ستصل إلى اتفاق مناسب لها، ونحن سنفعل فقط ما هو جيد لأميركا، وهذا بحد ذاته فشل بل انتكاسة إسرائيلية في جبهة ايران".
وأضاف أن" ما حصل بعد الهجوم على الضاحية هو محاولة إيرانية لتثبيت واقع ومعادلة جديدين هنا تملي فيهما النبرة وتخلق ميزان رعب بين إسرائيل من جهة و’حزب الله‘ وإيران من جهة أخرى.
وهي بصورة واضحة تظهر إصرار ايران على ربط ملفها مع لبنان، وحققت ذلك".
وفي الشمال، تجاه" حزب الله"، الوضع ليس أفضل، كما شدد هذا المسؤول الأمني الذي جاء حديثه اليوم الثلاثاء بعدما استيقظ سكان الشمال على صفارات الإنذار وأوامر الجبهة الداخلية بالدخول إلى الملاجئ والغرف الآمنة بعد تعرض إسرائيل لقصف من لبنان، وفي المقابل العمليات مكثفة في جنوب لبنان، صور والنبطية وغيرها.
وما يقلق المؤسسة الأمنية، وأيضاً أشعل نقاشات وصراخ مسؤولين، أن إسرائيل لا يمكنها تنفيذ المعادلة التي هدد بها كاتس وأكد عليها نتنياهو (مستوطنات الشمال – الضاحية)، وهي معادلة أصر عليها كاتس حتى بعد محادثة نتنياهو وترمب، إذ خرج بمنشور على منصة" إكس" يقول فيه إن" حكم الضاحية في بيروت كحكم بلدات الشمال.
كل هجوم على بلدات الشمال يؤدي إلى هجوم على الضاحية.
الجيش الإسرائيلي سيواصل العمل في لبنان ضد تنظيم ’حزب الله‘.
نحن نرد رداً حاسماً على تهديدات إيران.
وكل محاولة إيرانية للربط بين لبنان وإيران ومهاجمة إسرائيل سيرد عليها بقوة كبيرة كما حصل أمس".
وكاتس يقصد بـ" أمس" رد إسرائيل على هجوم إيران التي بدورها وضعت معادلة (بيروت مقابل الشمال)، وتهديد إيران الذي نُفذ تجاوز الشمال إلى المركز وحيفا، مما بحد ذاته وضع نتنياهو شخصياً أمام اتهام معظم الإسرائيليين الذين حملوه مسؤولية أمن سكان الشمال وخطر تقدم إيران نحو قنبلة نووية، بل إن الصوت الأعلى قال إن نتنياهو خاض هذه الحرب من أجل مصلحته الشخصية، سواء من ناحية محاكمته أو انتخابات الكنيست.
فإسرائيل، وعلى مدى أسابيع هددت بتوسيع جبهة الحرب حتى بيروت، بسبب تصعيد نار الصواريخ وإطلاق المسيّرات المتفجرة، لكن هذه الجهود، وفق ما أكد تقرير عسكري، " لم تجد نفعاً، ولم تساعد إسرائيل في مفاوضات مع حكومة لبنان التي قررت بصورة غير مسبوقة نزع الشرعية العسكرية لـ’حزب الله‘، وأعلنت أن لا مجال لأن تكون حرب بين لبنان وإسرائيل، بل عرضت نفسها كشريك نشط لنزع سلاح الحزب".
الخبير العسكري - الأمني رونين بيرغمان رأى أن إيران هي من قالت الكلمة الأخيرة، وإسرائيل خرجت بفشل كبير، موضحاً أن" هزيمة إسرائيل انتهت برسم ترمب للحدود، وتوضيح الإيرانيين لما سيحدث في حال عودة إسرائيل لبيروت، ولم تسفر الجولة عن أي حسم وحسب، بل حتى الآن، وبعد ساعات من انحسار العاصفة، لا تزال المنظومة التي أوصلتنا إلى هذه المرحلة تصرّ على عزف النغمة نفسها".
وانضم بيرغمان إلى غيره من الأمنيين والخبراء العسكريين الذين حملوا الحكومة مسؤولية الوضع الذي آلت إليه إسرائيل اليوم.
وبحسبه، فإن" نتنياهو وكاتس لم يتعلما من دروس الماضي، وواصلا تسويق البضاعة.
هذه الحكومة لا تبحث عن مكامن الخلل، بل تنشئ رسالة جاهزة.
وفي خضم ذلك، يطلب منا جميعاً قبول أكثر العبارات عبثية في السياسة الإسرائيلية خلال الأعوام الأخيرة، ’إذا عدنا للجولة نفسها مراراً وتكراراً فسيحدث شيء مختلف في النهاية‘.
لكن الساعات الـ24 الماضية تشير إلى عكس ذلك.
تقول إنك أحياناً لا تحتاج إلى لجنة تحقيق لفهم ما حدث.
يكفي أن ننظر إلى من بدأ الهجوم ومن ردّ ومن توقف ومن أُجبر في النهاية على الرضوخ من دون أن ينطق بكلمة نصر".
وكلام نتنياهو بعد محادثته مع ترمب الذي حاول خلالها إظهار إنجازات بل انتصارات لقراراته، أثار أيضاً انتقادات خطرة، إذ قال في كلمات مقتضبة من دون إفساح المجال لأسئلة الصحافيين" بعد هجوم إيران على إسرائيل، أصدرتُ تعليماتي للجيش بمهاجمة أهداف عسكرية واقتصادية في جميع أنحاء إيران.
الآن، الوضع تحت السيطرة على هذه الجبهة، لأن النظام الإرهابي في طهران توقف عن مهاجمتنا بعد أن هيّأ نفسه لذلك".
وبحسب بيرغمان، فإن" حديث نتنياهو هذا يظهر أن عامل الوقت وحق الكلمة الأخيرة مهمان له، لكن من المؤسف أن الحقائق لا تؤيده.
انتهت الهجمات الإسرائيلية في الساعات الأولى من الصباح، بينما واصل الإيرانيون إطلاق النار حتى بعد ذلك.
وجاءت الطلقة الأخيرة في وقت لاحق من الصباح، وبذلك حددت طهران نهاية الجولة من وجهة نظرها.
إسرائيل لم تنهِ الحدث بل إيران"، محذراً من تداعيات ذلك، وبرأيه فإن إيران هي من رسمت ونفذت وأنهت قواعد اللعبة، فـ" إيران حددت متى تتوقف وعدد الطلقات ومكان إطلاقها.
ومن منظور معرفي واستراتيجي، تُعد هذه نتيجة إشكالية للغاية بالنسبة إلى إسرائيل لأنها تسمح لإيران بتقديم نفسها على أنها ردت، ولم تتراجع، وأنهت الجولة بشروطها الخاصة، وكانت لها الكلمة الأخيرة، وليس لنا.
وتوقفت لأنها توصلت إلى تفاهم مع ترمب في شأن وقف إطلاق النار الذي فُرض على إسرائيل رغماً عنها".
جاء حديث نتنياهو بعد وقت قليل من تعليمات أصدرتها القيادة السياسية للجيش بالاستعداد لتحرك كبير في مقابل خطة شاملة قدمها الجيش لسلاح الجو تتضمن أيضاً بنى تحتية في إيران، ثم انتهى كل شيء بقرار من ترمب بوقف الهجمات عليها.
ومن وجهة نظر هيئة الأركان، يرى الجميع أن هذا الوضع بالغ الصعوبة، فالقيادة السياسية المحلية تدفع نحو التصعيد، لكن القيادة السياسية الحقيقية التي تحدد حدود العمل هي القيادة الأميركية.
وبهذا المعنى، أوضح هذا الحدث للجميع، لإيران والولايات المتحدة وإسرائيل والعالم، حدود استقلال إسرائيل عندما يتعلق الأمر بحرب شاملة ضد إيران.
وضمن تلخيص تقرير إسرائيلي للوضع، فمن وجهة نظر إيران، الدرس الرئيس هو أن الولايات المتحدة لا ترغب في الحرب، وإسرائيل لا تستطيع خوضها بمفردها ضد إرادة أميركية صريحة.
وإذا كان هذا هو الفهم الإيراني، فقد نشأت هنا معادلة استراتيجية جديدة وخطرة لإسرائيل.
وشدد التقرير على أن" الضاحية، وهي منطقة اعترفت بها الولايات المتحدة كهدف مشروع للعمليات بفضل إصرار إسرائيل خلال عمليتها السابقة ’سهام الشمال‘ بالرد على أي انتهاك لوقف إطلاق النار، أصبحت اليوم تتمتع بنوع من الحماية غير المباشرة.
وإذ إن الهجوم هناك سيؤدي إلى رد إيراني مباشر، ثم تدخل أميركي لاحتواء إسرائيل، فإن الوضع في لبنان يتغير.
لم تعُد هذه ساحة منفصلة، بل أصبحت جزءاً من معادلة إيرانية أوسع".
وبحسب بيرغمان، " يبدو أن نتنياهو اعتقد بأنه سينجح في خلق ديناميكية تصعيدية تجذب الأميركيين وتسمح لإسرائيل بإكمال ما لم يُنجز خلال الجولة السابقة مع إيران.
ربما كان يفترض أن أياماً عدة من القتال العنيف، حتى لو بدأته إسرائيل بمفردها، ستجر الولايات المتحدة في نهاية المطاف إلى الحملة.
إلا أن هذا السيناريو لم يتحقق، بل على العكس تماماً.
لم يكتفِ ترمب بعدم الانجرار إلى الصراع، بل أوقف إسرائيل.
وبدلاً من حرب تكمل التحرك الإسرائيلي ضد إيران، نشأ وضع معاكس، توقفت إسرائيل وأطلقت إيران الرصاصة الأخيرة وأظهر الأميركيون جهاراً أنهم هم من يرسمون حدود هذا الصراع".
بيرغمان رأى أن ما حصل يخلق صورة مزدوجة للفشل، فـ" إسرائيل فشلت في تجديد الحرب، وفشلت في جرّ الولايات المتحدة إلى صراع أوسع، وأعادت ربط لبنان بإيران، وسمحت للإيرانيين بأن تكون لهم الكلمة الأخيرة، وفي النهاية من الممكن أن تجد نفسها أمام اتفاق أميركي- إيراني تعارضه".
تبقى معادلة الضاحية أمام علامة استفهام كبيرة، من سينتصر فيها، تل أبيب أم طهران؟يتوقع أمنيون أن تكون إسرائيل حذرة في كل هجوم، وأن توجهه ضد أهداف محددة وناجحة لا تخلق ردود فعل تعيد المعادلة لمصلحة إيران.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك