عندما تتجاوز الحرب حدود المتحاربين في الشرق الأوسط، نادراً ما تبقى الحروب شأناً ثنائياً.
فحين تتصاعد المواجهة بين قوتين إقليميتين بحجم إيران وإسرائيل، تمتد تداعياتها بسرعة لتطال الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وحركة الطيران، وأمن الملاحة البحرية، وقبل كل ذلك، حياة ملايين المدنيين الذين لم يختاروا الحرب ولم يُستشاروا فيها.
جذور هذا العداء ضاربة في العقود.
فإيران ترى في إسرائيل خصماً استراتيجياً يهدد نفوذها الإقليمي، بينما تعتبر إسرائيل أن البرنامج النووي الإيراني وشبكة الحلفاء المرتبطين بطهران - من حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن - تمثل تهديداً وجودياً مباشراً.
وعلى مدى سنوات طويلة، تجسّد هذا الصراع في عمليات أمنية، وهجمات إلكترونية، وحروب بالوكالة، حتى باتت المنطقة تعيش على إيقاع توتر لا يهدأ.
لكن السؤال الأهم ليس كيف بدأت الحرب، بل ماذا خلّفت وراءها.
ما الذي جرى فعلاً؟
الجولة الأولى.
حرب الاثني عشر يوماً (حزيران 2025)في الثالث عشر من حزيران 2025، شنّت إسرائيل عملية عسكرية واسعة النطاق ضد إيران، استهدفت المنشآت النووية والقواعد العسكرية والبنية التحتية الحيوية.
وقبل أسبوعين من ذلك، كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد كشفت أن إيران تمتلك ما يكفي من اليورانيوم المخصّب لبناء نحو تسع قنابل نووية - وهو ما اعتبره الإسرائيليون خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.
ردّت إيران بسيل من الصواريخ والمسيّرات، وكاد الصراع يتحول إلى حرب إقليمية شاملة.
في ليلة الثاني والعشرين من يونيو، دخلت الولايات المتحدة على الخط مباشرة، إذ نفّذت قواتها ضربات جوية تحت الاسم الرمزي" عملية المطرقة في منتصف الليل"، استهدفت أكثر المنشآت النووية الإيرانية تحصيناً - وهي التي لم يكن بمقدور السلاح الإسرائيلي وحده اختراقها.
في الثالث والعشرين من حزيران، أعلن الرئيس ترامب وقف إطلاق النار عبر منصات التواصل الاجتماعي.
أعلن المجلس الأمني القومي الإيراني" الانتصار" - حتى بينما كانت صواريخه لاتزال تنهمر على إسرائيل.
وجاء الإعلان الإسرائيلي بالقبول متأخراً بساعات طويلة.
انتهت الجولة الأولى، لكن الجمر ظل يتقد تحت الرماد.
الفترة بين الجولتين.
انهيار داخليلم تنتهِ الأزمة مع وقف إطلاق النار.
فبين كانون الأول 2025 وكانون الثاني 2026، اجتاحت موجة احتجاجات غير مسبوقة أكثر من مئتي مدينة إيرانية، مدفوعةً بانهيار الريال وتضخم قياسي وتدهور حاد في مستوى المعيشة.
اللافت أن الحكومة استعانت بميليشيات عراقية موالية لها لقمع المحتجين، في خطوة كشفت عمق أزمة الشرعية التي يعانيها النظام.
الجولة الثانية.
الحرب الكبرى (شباط 2026)في الثامن والعشرين من شباط 2026، شنّت إسرائيل والولايات المتحدة معاً هجوماً شاملاً على إيران، معلنتين هدفاً مزدوجاً: تصفية البرنامج النووي وتغيير النظام.
قُتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار قادة الحرس الثوري.
أغلقت إيران مضيق هرمز، وضربت قواعد أميركية في الخليج، وأطلقت صواريخ على المدن الإسرائيلية.
انجرّ حزب الله من لبنان إلى المعركة.
واشتعلت المنطقة.
في الثامن من نيسان 2026، جرى التوصل إلى هدنة بوساطة باكستانية.
لكن المحادثات انهارت، وفرضت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على إيران.
وتبقى الأوضاع حتى اليوم هشّة وغير محسومة.
عندما تُغلق السماء.
أزمة الطيران العالميأول ما شعر به الناس العاديون حول العالم كان توقف الطائرات.
في ليلة الثامن والعشرين من شباط، أغلقت ثماني دول أجواءها دفعة واحدة: إيران وإسرائيل والعراق والأردن وقطر والبحرين والكويت والإمارات.
وسرعان ما امتد الإغلاق ليشمل سوريا والمملكة العربية السعودية.
توقفت أكبر مطارات العالم: دبي، وأبو ظبي، والدوحة - ثلاثة من أهم مراكز العبور الدولي - عن العمل.
علقت شركات كبرى مثل إيرفرانس ولوفتهانزا وإندييان إيرلاينز وتركيش إيرلاينز ونورويجيان رحلاتها، وأوصت الهيئة الأوروبية لسلامة الطيران شركات القارة بتجنب المنطقة بأكملها.
في غضون أسبوع، كان عدد الرحلات الملغاة قد تجاوز ثلاثة وعشرين ألف رحلة، وبلغت الخسائر المالية للقطاع ما يقارب مليار دولار.
بقي مسافرون عالقون في المطارات من أستراليا إلى البرازيل إلى جزر المالديف.
وكانت حاملة" قطر إيرويز" قد فرّقت طائراتها من الإيرباص A380 بين سيدني وبانكوك وغيرها، بينما كانت مطار الدوحة نفسه يطلب من المسافرين عدم الحضور حتى إشعار آخر.
مضيق هرمز.
شريان الاقتصاد العالمي يُخنقمضيق هرمز ليس ممراً مائياً عادياً؛ إنه الشريان الرئيسي لأكثر من عشرين بالمائة من إمدادات النفط العالمية وعشرين بالمائة من الغاز الطبيعي المسال.
قبل الحرب، كانت نحو ثلاثة آلاف سفينة تعبره شهرياً.
بعد إغلاقه، انخفض هذا العدد إلى أقل من خمسة بالمائة من مستواه الطبيعي.
النتيجة كانت صادمة.
اضطرت شركة" قطر إينرجي"، أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم، إلى إعلان القوة القاهرة على جميع صادراتها.
تراجع إنتاج النفط في الكويت والعراق والسعودية والإمارات مجتمعةً بما يزيد على عشرة ملايين برميل يومياً.
قفز سعر برنت من نحو ستين دولاراً للبرميل في كانون الثاني 2026 إلى أكثر من مئة وثمانية عشر دولاراً في نيسان.
وارتفعت أسعار الغاز الأوروبي بأكثر من مائة بالمائة خلال يومين - وهي أكبر قفزة منذ أزمة الطاقة عام 2022.
وصف صندوق النقد الدولي الوضع بأنه" أشد اضطراب في تاريخ أسواق الطاقة العالمية".
وقدّرت منظمة التجارة العالمية أن استمرار هذا المستوى من الأسعار قد يُقلص النمو الاقتصادي العالمي لعام 2026 بنحو ثلاثة أعشار النقطة المئوية.
ثمن يدفعه المدنيون في إيرانتحوّلت طهران إلى مدينة أشباح في الأيام الأولى؛ الشوارع فارغة، المحلات مغلقة، الناس لا يجرؤون على الخروج.
أُغلقت المدارس، وعملت البنوك والمؤسسات الحكومية بطاقة محدودة.
وبحلول مطلع أيار 2026، كانت الغارات الأميركية قد دمّرت اثنتين وعشرين مدرسة وسبع عشرة منشأة صحية، وأودت بحياة أكثر من ألف وسبعمائة مدني.
في المقابل، وثّق الهلال الأحمر الإيراني أضراراً في ثلاثمائة وسبع مؤسسة طبية وطارئة.
في إسرائيل، قُتل ثمانية وعشرون شخصاً وأُصيب أكثر من أربعة آلاف بسبب الصواريخ الإيرانية.
وفي لبنان الذي جرّه حزب الله إلى المعركة، تجاوز عدد القتلى ألفي شخص، واضطر أكثر من مليون شخص إلى النزوح.
وفي بقية دول العالم، دفع المواطنون العاديون ثمن ارتفاع أسعار الوقود والتضخم وتعطل سلاسل التوريد.
لبنان.
ضحية كانت تعرف ما ينتظرهاالدولة أم التنظيم؟ سؤال لا يمكن للبنان تجاهله.
لقد كشفت الحرب مرة أخرى عن معضلة أساسية في لبنان: من يملك قرار الحرب والسلم؟ ففي أي دولة مستقرة، تُتخذ القرارات المصيرية المتعلقة بالأمن القومي والحرب والعلاقات الخارجية من خلال المؤسسات الدستورية والحكومة المنتخبة.
أما عندما تمتلك جماعات أو أحزاب مسلحة القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية بمعزل عن مؤسسات الدولة، فإن المجتمع بأكمله يصبح معرضاً لدفع ثمن قرارات لم يشارك في اتخاذها.
ولا يمكن إنكار أن حزب الله يمثل شريحة من المجتمع اللبناني وله تاريخ سياسي وعسكري معروف، لكن التجارب المتكررة أظهرت أن الحروب لا تترك آثارها على الأحزاب وحدها، بل على جميع اللبنانيين بمختلف انتماءاتهم.
فالمواطن الذي يفقد منزله، أو عمله، أو يُجبر على النزوح، لا يسأل من انتصر سياسياً، بل كيف سيؤمن حياة كريمة لعائلته.
لقد دفع لبنان خلال العقود الماضية ثمناً باهظاً من اقتصاده واستقراره وفرصه التنموية.
ولذلك فإن مستقبل البلاد يحتاج إلى تعزيز دور الدولة ومؤسساتها الشرعية، بحيث تصبح القرارات الكبرى، وخاصة قرارات الحرب والسلم، جزءاً من التوافق الوطني العام لا من قرارات أي طرف بمفرده.
فالشعوب تبني الدول من أجل حياة أفضل، لا من أجل الانتقال من أزمة إلى أخرى، ومن حرب إلى حرب جديدة.
الحالة اللبنانية هي الأكثر إيلاماً في هذا الصراع.
فلبنان لم يكن طرفاً في القرار، لكنه كان دائماً في القلب من التداعيات.
حزب الله، الذي يمثل دولة داخل الدولة، اتخذ قراره المصيري باستقلالية تامة، فيما مواطنو لبنان يعيشون أصلاً في أزمة اقتصادية طاحنة جعلتهم أقل ما يكونون قدرة على تحمل نتائج حرب جديدة.
الدرس هنا واضح، لا يمكن لأي دولة أن تحقق استقراراً حقيقياً حين تتعدد مراكز القرار العسكري بداخلها.
قرارات الحرب والسلم قرارات وطنية مصيرية، وتداعياتها لا تتحملها جماعة بعينها - بل الشعب بأسره.
ما بعد الحرب.
هل يمكن منع حرب جديدة؟الحرب توقفت، لكن الأسباب لم تُعالَج.
إيران اليوم بلا مرشد أعلى، وجيشها منهك، وبرنامجها النووي متضرر بشدة، ومجتمعها يعاني من سنوات متراكمة من التضخم والقمع والحرب.
السؤال المطروح بجدية: هل تفضي هذه الأزمة إلى ظهور نظام أكثر اعتدالاً، أم تدفع إيران نحو مزيد من الانغلاق والتطرف؟
على الصعيد الإقليمي، أثبتت الحرب ما كان يُستشعر دون إثبات: أن التوترات في الشرق الأوسط لا تبقى محلية، بل تصبح في أسرع وقت أزمات عالمية.
السلام لا يشترط الصداقة، لكنه يشترط على الأقل القدرة على إدارة الخلافات دون تحويلها إلى حروب تطحن الشعوب.
لقد أنفقت المنطقة في العقود الماضية مئات المليارات على التسليح والصراعات.
ولو استُثمر جزء من هذه الموارد في التعليم والبنية التحتية والصحة والتنمية، لكان الشرق الأوسط اليوم في مكان مختلف تماماً.
لا غالب في الحروب الطويلةربما لن تصبح إيران وإسرائيل صديقتين في المستقبل المنظور، وربما ستبقى بينهما خلافات عميقة لسنوات طويلة.
لكن التجربة أثبتت أن استمرار الصراع لا يحقق نصراً حقيقياً لأي طرف.
إيران دفعت ثمناً باهظاً من اقتصادها واستقرارها الداخلي، وإسرائيل تحملت تكاليف أمنية واقتصادية متزايدة، أما شعوب المنطقة فقد دفعت الثمن الأكبر من أرواحها ومستقبلها وفرصها في التنمية.
لقد أثبتت العقود الماضية أن القوة العسكرية قادرة على تدمير الجسور والموانئ والمدن، لكنها عاجزة عن بناء الثقة والاستقرار والازدهار.
فالسلام لا يعني غياب الخلافات، بل القدرة على إدارة هذه الخلافات دون تحويلها إلى حروب.
ولهذا فإن مستقبل الشرق الأوسط لا يمكن أن يُبنى على الصواريخ وحدها، بل على الدبلوماسية والحوار والتعاون الاقتصادي واحترام سيادة الدول ومؤسساتها الشرعية.
ففي النهاية، لا يريد اللبناني أن يعيش في خيمة، ولا يريد الإيراني أن يعيش تحت العقوبات والحرب، ولا يريد الإسرائيلي أن يعيش تحت الخوف الدائم من الصواريخ.
الجميع يريد الشيء نفسه: الأمان، والعمل، والتعليم، ومستقبلاً أفضل لأطفاله.
الشعوب لا تبحث عن الانتصار في الحروب، بل عن الانتصار في الحياة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك