رويترز العربية - عقوبات غربية منسقة تتعلق بعنف المستوطنين في الضفة الغربية وكالة سبوتنيك - "سنتكوم" تكشف تفاصيل عملية إنقاذ "جنود الأباتشي" بالقرب من مضيق هرمز روسيا اليوم - روسيا: أسلحتنا النووية التكتيكية لا تهدد أمريكا وزجها في صلب مفاوضات الحد من التسلح النووي غير مجد سكاي نيوز عربية - ترامب و"سياسة المهل".. 38 تصريحا عن اتفاق وشيك مع إيران رويترز العربية - أزمة المعارضة في تركيا تتفاقم بعد اجتماعين متنافسين لزعيميها وكالة سبوتنيك - قائد القوات البرية الإيرانية: مستعدون للرد الحازم على أي تهديد روسيا اليوم - إسبانيا تهزم بيرو في آخر اختبار لها قبل كأس العالم الجزيرة نت - من يجسد سيرة مصطفى محمود؟.. "بين الشك واليقين" يكشف عن وجه مفاجئ روسيا اليوم - أسعار النفط تهبط إلى ما دون 91 دولارا للبرميل القدس العربي - ترامب: الاتفاق في الشرق الأوسط بات وشيكا- (فيديو)
عامة

المستشار أحمد بركات يكتب: التاريخ لا يعيش في المنتصف

الوطن
الوطن منذ 1 ساعة

إن الحضارات لا تنهض لأن المتناقضات تصالحت، بل لأن حدثاً ما أعاد تعريف هذه المتناقضات وحوّلها إلى مشروع جديد، حين يختلف الزوجان، يظن كل منهما أن المشكلة تكمن في الطرف الآخر، وحين تختلف التيارات الفكرية...

إن الحضارات لا تنهض لأن المتناقضات تصالحت، بل لأن حدثاً ما أعاد تعريف هذه المتناقضات وحوّلها إلى مشروع جديد، حين يختلف الزوجان، يظن كل منهما أن المشكلة تكمن في الطرف الآخر، وحين تختلف التيارات الفكرية، يعتقد كل طرف أن الخلل كله عند خصمه، وحين تنقسم المجتمعات، ينشغل الجميع بتعداد أسباب الخلاف، بينما ينسون مساحة الاتفاق التى كانت تجمعهم بالأمس، وتلك هي معاناة التاريخ.

كأن الإنسان خُلق ليرى مناطق الصراع أكثر مما يرى مناطق التكامل، ربما لهذا السبب تحولت كثير من العلاقات -التى وُجدت لتتكامل- إلى علاقات تتصارع، فالروح لم تُخلق لتصارع الجسد، بل لتمنحه المعنى، والجسد لم يُخلق ليقيد الروح، بل ليمنحها القدرة على الحركة، ومع ذلك قضت البشرية قروناً تتحدث عن الصراع بينهما، حتى بدا وكأن التناقض هو الأصل، والتكامل هو الاستثناء، لكن هل المشكلة حقاً في وجود الصراع، أم في عجزنا عن رؤية المنطقة التى يلتقى فيها الطرفان؟في الثقافة يدور الجدل بين المحافظة والتجديد، وفي الدين يدور بين التشدد والانفلات، وفي السياسة بين الحرية والسلطة، وفي الاقتصاد بين السوق والدولة، وفي المجتمع بين حقوق الفرد ومصلحة الجماعة، لكن التأمل الهادئ يكشف أن الحضارات الكبرى لم تنهض بانتصار طرف على آخر، بل بقدرتها على إدارة التناقضات وتحويلها إلى طاقة بناء.

فالعلم لم يتقدم لأن العلماء رفضوا كل ما سبقهم، ولم يتقدم لأنهم قبلوا كل ما ورثوه، بل تقدم لأنهم احترموا المعرفة السابقة ثم امتلكوا الشجاعة لمراجعتها، ولهذا كان العالم الحقيقى يقف دائماً عند نقطة التقاء بين المحافظة والتمرد، فازدهرت الحضارات حين استطاعت إدارة التناقضات لا إلغاءها.

فعندما بلغت الحضارة الإسلامية أوج ازدهارها في العصر العباسى، لم يكن ذلك نتيجة الانغلاق على التراث، ولا نتيجة القطيعة معه، بل لأنها استطاعت الجمع بين النص والاجتهاد، وبين الإيمان والعقل، وبين الترجمة والإبداع، وفي الأندلس لم يكن الازدهار وليد قوة السلاح وحدها، بل نتاج تفاعل بين العلم والفلسفة والتجارة والفنون والعمران.

وكذلك فعلت أمم أخرى في مراحل مختلفة من تاريخها، فاليابان الحديثة لم تنهض لأنها تخلت عن هويتها، ولم تنهض لأنها رفضت الحداثة، بل لأنها نجحت في الجمع بين الأصالة والتجديد، وسنغافورة لم تحقق تقدمها لأنها اختارت الحرية المطلقة أو السيطرة المطلقة، بل لأنها بحثت عن توازن عملى بين الانفتاح الاقتصادي والانضباط المؤسسى.

إن التاريخ اليوم يكرر الدرس نفسه بأسماء مختلفة، ليعلمنا من جديد أن الحضارات لا تزدهر عندما ينتصر أحد الأطراف، بل عندما تتعلم الأطراف كيف تعمل معاً دون أن تفقد خصوصيتها، لكن الحقيقة أن الحضارات لا تصنع نفسها، فخلف كل حضارة، وكل نهضة، وكل فكرة عظيمة، يقف إنسان استطاع أن يرى ما عجز الآخرون عن رؤيته، إنسان يستطيع أن يرى ما وراء التناقض.

فابن خلدون لم يكن مؤرخاً بالمعنى التقليدى، بل عاش بين السلطة والمعرفة التى حاول أن يفهم بها سقوط الدول وصعودها، حتى خرج برؤية جديدة للعمران البشري، ولم يكن ليوناردو دافنشى رساماً فقط ولا عالماً فقط، بل عاش صراعاً دائماً بين الخيال والعقل، بين الجمال والفكرة، فكانت عبقريته وليدة هذا اللقاء النادر.

أما طه حسين، فقد جمع بين انفتاحه على الثقافة الإنسانية الحديثة، وتمسكه باللغة العربية وتراثها، فحاول بناء جسر بين الأصالة والتجديد، وقضى مصطفى محمود سنوات طويلة يبحث عن نقطة التقاء بين المصير وأسئلة الوجود، بين يقين التجربة العلمية وما فوق البحث عن المعنى.

وفي الأدب، استطاع نجيب محفوظ أن يكون ابن الحارة المصرية التى تشكلت منها المجتمعات المختلفة، واستطاع أيضاً أن يكون كاتباً عالمياً، جامعاً بين التفاصيل المحلية والأسئلة الإنسانية الكبرى، وفي الفن، لم تصبح أم كلثوم رمزاً لأنها تمسكت بالماضى وحده أو تمردت عليه بالكامل، بل لأنها خلقت من الأصالة روحاً وجسداً في أنٍ واحد، أما أحمد زويل فقد جمع بين العالمية والانتماء، وبين البحث العلمى المتقدم بكل متطلباته، وبين الحلم بأن يصبح العلم جزءاً من مستقبل وطنه.

وفي السياسة، قدم نيلسون مانديلا واحداً من أوضح دروس التاريخ؛ حين حرر العدالة من فكرة الانتقام، فسعى للمصالحة دون أن يتنازل عن الحقوق، إن ما يجمع هذه النماذج ليس المهنة ولا البيئة ولا الزمن، ما يجمعها أنها أدركت أن التقدم لا يولد عند الأطراف، بل عند القدرة على تحويل التناقض إلى رؤية جديدة، تتكامل فيها الأدوار لتصنع التحولات، ولعل التجربة المصرية تستحق وقفة خاصة في هذا السياق، فمصر عبر معظم تاريخها الطويل، لم تكن دولة تُبنى على فكرة الإلغاء الكامل لأحد الأطراف، بقدر ما كانت تميل إلى استيعاب التناقضات داخل إطار أوسع، يحافظ على استمرارية الدولة، ففي العصر الفاطمى ورغم الاختلافات المذهبية، استمرت مصر قادرة على استيعاب التنوع داخل بنيتها الاجتماعية، وفي العصر المملوكى، استطاعت أن تدمج بين القوة العسكرية والحياة العلمية والتجارية، لتبنى واحدة من أكثر المراحل تأثيراً في تاريخ المنطقة.

وفي العصر الحديث، سعت التجربة الناصرية إلى الجمع بين الاستقلال الوطنى والعدالة الاجتماعية والتنمية، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف حول نتائجها، حتى في العقود الأخيرة ومن خلال حرب أكتوبر 1973 كان هناك تحول معنوى واستراتيجي، أعاد تعريف الدولة المصرية بدقة بالغة، كما مثّلت السنوات الأخيرة مرحلة انتقالية، حاولت فيها الدولة المصرية إعادة تعريف أولوياتها بين الأمن والتنمية والاستقرار، في ظل تحديات إقليمية غير مسبوقة، وهو ما يجعلها جزءاً من سلسلة التحولات التى لا تتشكل فيها الدول من غياب التناقضات، بل من قدرتها على إدارتها وإعادة توجيهها، فكلما بدا الاستقطاب وكأنه يهدد المساحة المشتركة بين المصريين، عاد المجتمع والدولة للبحث عن صيغة تحفظ الاستمرار وتمنع الخلاف من التحول إلى صراع وجودى دائم.

وكأن أحد أسرار بقاء الدولة المصرية عبر آلاف السنين لم يكن غياب التناقضات، بل القدرة المتكررة على احتوائها، غير أن المفارقة اللافتة أن ما نجحت مصر في ممارسته سياسياً عبر قرون طويلة، يبدو أحياناً أقل حضوراً في المجال الثقافي والاجتماعى المعاصر، لكن هنا يظهر سؤال أكثر عمقاً: هل التكامل دائماً خير؟ وهل كل صراع قابل للتحول إلى مساحة مشتركة؟ أم أن بعض الصراعات لا تنتج تكاملاً، بل تنتهي بتحول جذرى يغير طبيعة الأطراف نفسها؟فما بين البداية والنهاية لا يوجد فراغ محايد، هناك دائماً حدث محرك، لحظة فاصلة تكشف حقيقة التناقض بدل أن تخفيها، قرار يغير المسار، أزمة تعيد ترتيب الأولويات، هزيمة ضرورية تفتح باباً لم يكن مرئياً، أو وعى جديد يجعل الإنسان يرى العالم بطريقة مختلفة، وهنا وفي تلك اللحظة لن يعود السؤال كيف نجمع بين الطرفين؟ بل يصبح السؤال ماذا سنخرج من هذا الصراع؟فليس كل تكامل مصالحة، وليس كل توازن سكوناً، فأحياناً يكون التكامل نفسه نتيجة انفجار فكرى أو اجتماعى أو حضارى، أعاد تشكيل الأطراف من جديد، حتى إن الحضارات حين تزدهر وتعلن عن نفسها لا ترتضى أن تتحرك في مناطق وسطى مستقرة، بل في لحظات حاسمة تُجبرها على إعادة تعريف نفسها، وربما لهذا السبب لم يكن تأثير التاريخ في حكايات البداية، ولا في خواتيم النهاية، بل في الحدث الذي يقع بينهما، ذلك الحدث الذي لا يصالح بين النقيضين بقدر ما يكشف حقيقتهما.

ومن هنا، ربما لا تكون المشكلة الكبرى في عصرنا هي غياب المنطقة الوسطى، بل غياب الوعى القادر على فهم ما يحدث بين الأطراف، في غياب القدرة على رؤية اللحظة التى يتحول فيها الصراع إلى بناء، أو يتحول فيها البناء إلى صراع، ففي النهاية، لا تنهض الأمم لأنها تملك العلم وحده، ولا لأنها تملك القوة وحدها، ولا لأنها تملك الثروة وحدها، بل لأنها تعرف كيف تمنع عناصر قوتها من أن تتحول إلى عناصر هدم.

وربما لا يبدأ سقوط الحضارات عندما تنفد مواردها، بل عندما تفقد قدرتها على فهم العلاقة بين اختلافاتها، فبين التطرف والتحرر، وبين السلطة والحرية، وبين العقل والعاطفة، وبين الأصالة والتجديد، لا توجد دائماً منطقة وسطى ثابتة، لكن يوجد دائماً شىء واحد هو حدث محرك يعيد تعريف الجميع، وهناك في تلك اللحظة الفاصلة، لا يُكتب تاريخ الأفراد فقط.

بل يُكتب تاريخ الأمم أيضاً.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك