في ظل الانتشار الواسع لتطبيقات تحديد المواقع الجغرافية، قد يبدو استخدام الخريطة الورقية اليوم أمراً غير مألوف للعديد من المسافرين، إلا أن هذه المطبوعات الكلاسيكية لا تزال تحتفظ بأهميتها البالغة في التخطيط الشامل للرحلات، واختيار طرق بديلة بعيدة عن المسارات التقليدية، فضلاً عن دورها الجوهري في تعزيز روحية الاستكشاف وحس المغامرة.
وتحت شعار حماسي يدعو إلى التمسك بهذه الثروة المعرفية، يطلق الصحفي والكاتب الفرنسي جان كلود راسبيينجا، مؤلف كتاب «فرنسا على الخريطة»، نداءً واضحاً للمسافرين قائلاً: «لا ترموا خرائطكم! »، معتبراً مؤلفه دراسة أكاديمية تحتفي بتلك الخرائط الورقية التي لا تزال تُحفظ بعناية داخل حُجَر التخزين أو على الرفوف الخلفية في السيارات، وفقا لوكالة «فرانس برس».
وعلى الرغم من اعترافه بالتراجع الكبير لأهمية الخريطة التقليدية منذ دخول عصر الثورة الرقمية وهيمنة تطبيقات نظام تحديد المواقع العالمي (جي بي اس)، وأبرزها «غوغل مابس» و«وايز»، يرى راسبيينجا أن هذه الأدوات الرقمية فعّالة جداً للوصول المباشر من نقطة إلى أخرى ومن الحماقة الاستغناء عنها، لكنها تظل بحاجة إلى الخريطة الورقية كأداة مكمّلة تتيح قدراً هائلاً من المعلومات البصرية والجغرافية التي لا يوفرها نظام التوجيه الرقمي.
- خريطة من القرن الـ17 تحسم الجدل وتحدد موقع منزل شكسبير «المفقود»- توغو تقود حراكاً لتصحيح الخريطة وتسعى لإنهاء «تهميش» أفريقيا جغرافياً- باحثون يرممون خرائط نادرة لمعالم ليبيا تعود لمنتصف القرن العشرينويكمن التحدي الحقيقي اليوم في إقناع المسافرين المعاصرين الذين باتوا أقلّ إقبالاً على شراء خرائط الطرق من المكتبات التقليدية أو محطات الوقود المنتشرة على السفر.
وفي هذا السياق، يشير فيليب سابلايرول، مدير قسم الخرائط في دار نشر «ميشلان» الرائدة في فرنسا بحصة سوقية تتجاوز 75%، إلى أن المبيعات تشهد تراجعاً مستمراً بنسبة تتراوح بين 5 و7% سنوياً منذ الانتشار الواسع لأنظمة الملاحة الحديثة.
فبعد أن كانت مبيعات خرائط ميشلان تصل إلى ذروتها بنحو 20 مليون خريطة في نهاية القرن العشرين، انخفضت تلك الأرقام لتتراوح ما بين مليون ونصف ومليوني وحدة سنوياً على مستوى العالم، وإن كانت الدار لا تزال تحافظ على مكانتها البارزة داخل فرنسا بمعدل بيع خريطة واحدة كل خمس وعشرين ثانية.
ومع أن الخريطة الكلاسيكية الخاصة بفرنسا ذات اللون الأحمر التقليدي تظل الأكثر طلباً، إلا أن الخرائط المختصة بمناطق أو مواضيع محددة اكتسبت شعبية متزايدة، نظراً لما تقترحه من جولات سياحية تفصيلية، ورحلات برية عبر البلدان الأوروبية، ومسارات مخصصة للدراجات الهوائية.
تغير جذري لنط استخدام خرائط الطرق الورقيةوعلى مر العقود، تحولت دار ميشلان إلى شريك مكمل للمعهد الوطني الفرنسي للمعلومات الجغرافية (IGN)، الذي تحظى خرائطه فائقة الدقة بتقدير كبير واهتمام خاص من جانب هواة المشي والترحال.
ويوضح سابلايرول أن نمط استخدام خرائط الطرق قد تغير جذرياً؛ إذ باتت تُستخدم بالدرجة الأولى للتخطيط للرحلة ككل ورسم ملامحها العامة، بدلاً من الاعتماد عليها لمجرد تحديد مسار التنقل اللحظي، ولهذا السبب أصبحت المعلومات السياحية والتاريخية المدرجة فيها أكثر أهمية وجاذبية بكثير مما كانت عليه قبل عشرين عاماً.
من جانبه، يرى راسبيينجا أن الخريطة الورقية تمنح المسافر شعوراً بالتحكم الكامل والسيادة على مساره الجغرافي، وهو ما يقوضه نظام (جي بي اس) الذي يفرض على السائق تعليمات مباشرة بصوت آلي جامد يكتفي بأوامر مثل «انعطف يميناً» أو «تابع السير مستقيماً»، دون أن يُظهر الطرق الفرعية أو يشجع على التسكع الإيجابي والتعرف على القرى والمعالم المحيطة.
ويحذر الكاتب الفرنسي من «تحوّل أنتروبولوجي» فرضته تطبيقات الملاحة الحديثة، حيث لم نعد نحسب المسافات بالكيلومترات بل بالساعات والدقائق، ما يؤدي تدريجياً إلى فصل الإنسان عن حس تحديد الاتجاهات الفطري والذاتي الذي اكتسبته البشرية وطورته عبر القرون الطويلة.
ويظهر هذا التحول بوضوح حتى في اللوحات الإرشادية على الطرق العامة، والتي بدأت تتكيف مع هذا التطور الرقمي من خلال تقليل استخدام الكيلومترات في الإشارة إلى المسافات المتبقية.
وعلى الرغم من افتتان راسبيينجا بالطابع الشعري والجمالي التليد الذي توحي به الخرائط الورقية الملموسة، إلا أنه يُقر بواحدة من الفوائد الاجتماعية الطريفة لاستخدام التطبيقات الرقمية، وهي انخفاض الجدالات والخلافات التقليدية بين أفراد العائلة داخل السيارة أثناء القيادة، لسبب بسيط وهو أنه يصعب علمياً ونفسياً أن تلقي باللائمة على نظام (جي بي اس) الآلي وتقول له بغضب: «أنت لا تجيد قراءة الخريطة».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك