العربي الجديد - الدوحة تتيح الالتحاق بالخدمة الوطنية لأبناء القطريات ومواليد الدولة القدس العربي - فلسطين تجدد المطالبة بوقف خروقات إسرائيل بغزة ومحاسبة المستوطنين الجزيرة نت - فرنسا وألمانيا تتخلّيان عن مشروع مشترك لتطوير طائرة مقاتلة CNN بالعربية - 5 مباريات لا تُفوّت خلال دور المجموعات في مونديال 2026 روسيا اليوم - النوم وميكروبيوم الأمعاء Independent عربية - المصارف تقود صعود المؤشر السعودي فوق 11 ألف نقطة قناة الجزيرة مباشر - شبكات | منع حكم صومالي من دخول المونديال روسيا اليوم - إسبانيا.. عنكبوت يحدث ثقبا في يد رجل Independent عربية - تصعيد غربي ضد إسرائيل بسبب عنف "الضفة" وإذلال الأسطول روسيا اليوم - زاخاروفا تحذر المواطنين الروس من عمليات احتيال في تايلاند بعد ضبط "زوجة السفير المزيفة"
عامة

9 يونيو

الوطن
الوطن منذ 1 ساعة

رغم مرور 59 عاما على نكسة يونيو 1967، مازلنا نعاني من الجرح الغائر للهزيمة العسكرية. لكن يجب أن نتذكر أيضا تفاصيل تلك الأيام حتى نعظم ما كان فيها من إيجابيات ونتفادى ما حدث فيها من سلبيات، وكانت السلب...

رغم مرور 59 عاما على نكسة يونيو 1967، مازلنا نعاني من الجرح الغائر للهزيمة العسكرية.

لكن يجب أن نتذكر أيضا تفاصيل تلك الأيام حتى نعظم ما كان فيها من إيجابيات ونتفادى ما حدث فيها من سلبيات، وكانت السلبيات كبيرة بحجم الأمل وبضخامة الثقة في القيادة.

بعد أربعة أيام فحسب من الهزيمة، ألقى الرئيس جمال عبد الناصر خطابا غير مسبوق وغير متوقع، ما نطلق عليه خطاب التنحي من الحكم أو الاستقالة.

الخطاب كان له سمة خاصة، لم يكن مجرد إعلان استقالة، كان اختبارا للعلاقة بين الزعيم الحقيقي والجماهير.

جاءت النتيجة على نحو فاجأ كثيرين داخل مصر وخارجها.

بعد ساعات قليلة من الخطاب خرجت حشود ضخمة إلى الشوارع في القاهرة والإسكندرية وكل مدن وقرى مصر، تطالبة عبد الناصر بالبقاء في موقعه.

المظاهرات كانت أهم تعبير شعبي في التاريخ المصري، ليس فقط بسبب حجمها، بل لأنها جاءت في توقيت بدا فيه النظام في أضعف حالاته.

وقف جمال عبد الناصر أمام شعبه في واحدة من أكثر اللحظات درامية في التاريخ السياسي العربي الحديث.

كانت مصر والعالم العربي تعرضوا لصدمة عسكرية هائلة بعد حرب الأيام الستة التي بدأت في الخامس من يونيو، انتهت بخسائر عسكرية وإقليمية غير مسبوقة.

في ذلك المساء لم يكن المصريون يستمعون إلى خطاب عادي لرئيس دولة تعرضت لهزيمة، بل كانوا يشهدون حدثا سياسيا استثنائيا تتداخل فيه المأساة الوطنية مع حسابات السلطة ومع سيكولوجية الجماهير في لحظة انكسار جماعي.

جاء خطاب عبد الناصر محملا بنبرة نادرة في العالم العربي آنذاك.

أعلن تحمله المسؤولية السياسية عما جرى، وأعلن قراره التنحي عن رئاسة الجمهورية، والعودة إلى صفوف الجماهير مفسحا المجال لقيادة جديدة تتحمل مسؤولية المرحلة المقبلة.

الأكثر أهمية أنه لم يكتف بالحديث عن المسؤولية العامة، بل أبدى استعداده لتحمل تبعات ما حدث أمام التاريخ والشعب.

في لحظة كانت الأنظمة العربية تميل فيها إلى تبرير الهزائم وإلقاء المسؤولية على المؤامرات الخارجية وحدها، بدا الخطاب اعتراف سياسي وأخلاقي بالهزيمة.

كانت الصدمة التي تلقاها عبد الناصر حقيقية.

انهار جزء كبير من المشروع الذي بناه منذ عام 1952، وتعرضت صورته كزعيم قومي قادر على تحدي إسرائيل والقوى الغربية لاهتزاز عنيف.

من ناحية أخرى، كان عبد الناصر سياسيا شديد الذكاء والخبرة، يدرك أن الشرعية التي تنتزع من الجماهير أقوى من الشرعية التي تمنحها مؤسسات الدولة.

لذلك فإن إعلان التنحي، سواء كان نابعا من اقتناع كامل أو من تقدير سياسي محسوب، وضع الكرة في ملعب الشعب نفسه.

في العالم النامي كان نادرا أن يخرج قائد يتمتع بشعبية كاسحة ليعلن تحمله المسؤولية المباشرة عن هزيمة وطنية ويعرض التخلي عن السلطة بإرادته.

سيكولوجيا يمكن فهم هذا المشهد باعتباره رد فعل جماعيا على الخوف من الفراغ أكثر من كونه تقييما موضوعيا للهزيمة.

المجتمع المصري الذي عاش خمسة عشر عاما تحت قيادة عبد الناصر لم يكن يرى فيه مجرد رئيس للجمهورية، بل رمزا للدولة الوطنية الحديثة وللعدالة الاجتماعية وللطموح القومي العربي.

وعندما أعلن رحيله فجأة، شعر ملايين المصريين أن الهزيمة العسكرية قد تتحول إلى انهيار سياسي شامل إذا غاب الرجل الذي ارتبطت به الدولة نفسها في المخيال الشعبي.

رفض الجماهير تنحي عبد الناصر منحه ما هو أثمن من أي انتصار انتخابي.

خرج من لحظة الهزيمة بشرعية جديدة مصدرها التفويض الشعبي المباشر.

قبل التاسع من يونيو كان قائدا منتصرا في الوعي العام رغم المشكلات.

بعد التاسع من يونيو أصبح قائدا مهزوما عسكريا لكنه مستند إلى تأييد شعبي عارم.

هذا التحول منح نظامه قدرة استثنائية على إعادة ترتيب الأوراق.

تابعت إسرائيل من خلال القيادة السياسية والعسكرية خطاب التنحي باهتمام بالغ.

كانت تدرك أن خروج عبد الناصر من المشهد قد يفتح مرحلة جديدة من عدم الاستقرار في مصر والعالم العربي.

ومع أن الهزيمة العسكرية مثلت نصرا استراتيجيا لإسرائيل، فإن عودة عبد الناصر عن التنحي بعد المظاهرات الشعبية أوضحت أن النظام المصري لم ينهر، وأن الرجل ما زال يحتفظ بقدرة كبيرة على تعبئة الجماهير.

لذلك لم ينظر إلى الأحداث باعتبارها نهاية الناصرية بقدر ما اعتبرت بداية مرحلة جديدة من الصراع.

في العالم العربي كانت آثار الخطاب أكثر تعقيدا.

فمن جهة أصابت الهزيمة المشروع القومي العربي في صميمه وأثارت شكوكا واسعة حول قدرة الأنظمة الثورية على تحقيق وعودها الكبرى.

ومن جهة أخرى، أدى المشهد الشعبي المصري إلى إعادة إنتاج صورة عبد الناصر بوصفه رمزا للمقاومة والصمود، لا بوصفه قائد الهزيمة.

هكذا وجد كثير من العرب أنفسهم أمام مفارقة سياسية نادرة، الرجل الذي خسر الحرب تحول في نظر قطاعات واسعة من الجماهير العربية إلى الأمل في تجاوز نتائجها.

أدرك عبد الناصر بعد بقائه في السلطة أن معركته المقبلة ليست استعادة الشعبية، بل استعادة الكفاءة العسكرية.

من هنا بدأت عملية إعادة بناء القوات المسلحة المصرية على أسس جديدة، وهو ما أثمر لاحقا حرب الاستنزاف، ثم الطريق إلى نصر أكتوبر 1973 بعد رحيله بثلاثة أعوام.

لم يكن التاسع من يونيو نهاية مرحلة فحسب، بل كان أيضا بداية مرحلة أخرى أكثر واقعية وأقل اندفاعا.

تكشف واقعة التنحي عن إحدى أهم سمات عبد الناصر السياسية، قدرته على تحويل الأزمات إلى فرص لإعادة إنتاج الشرعية.

الرجل الذي بدا في مساء التاسع من يونيو وكأنه يغادر المسرح السياسي نهائيا، عاد فورا أكثر قوة مما كان عليه قبل الخطاب من الناحية السياسية، رغم أنه كان أضعف من أي وقت مضى من الناحية العسكرية.

هذه المفارقة تجعل ذلك اليوم واحدا من أكثر الأيام إثارة للدراسة في التاريخ السياسي العربي.

أثبت التاسع من يونيو أن السياسة لا تحسم دائماً بنتائج المعارك الحربية وحدها، بل تحسم أيضا بالقدرة على قراءة المزاج الشعبي وإدارة اللحظات الحرجة.

وبينما بقيت هزيمة يونيو جرحا مفتوحا في الذاكرة العربية، بقيت أيضا اللحظة التي أظهر فيها عبد الناصر قدرة استثنائية على النجاة السياسية، وتحويل أخطر تهديد واجهه نظامه إلى مصدر جديد للقوة والشرعية والاستمرار.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك