على رغم وقف التصعيد المباشر بين إيران وإسرائيل بعد أقل من 18 ساعة على بدايته، فإن إصرار إسرائيل على إبقاء الجبهة اللبنانية مفتوحة يجعل المشهد هشاً وقابلاً للاشتعال من جديد.
بعبارة أخرى، لا تزال نقطة الاشتعال الأساسية قائمة، مما يعني أن حلقة الردود المتبادلة قد تعود في أي لحظة، وبشكل أقرب إلى دائرة مفرغة يصعب الخروج منها بسهولة.
ولا يقتصر ذلك على الجانب العسكري أو الميداني فقط، بل يمتد أيضاً إلى المسار السياسي والتفاوضي بين واشنطن وطهران.
ما قامت به إيران ليل أمس لم يكن عملاً عسكرياً عابراً، بل جاء في سياق الاستهدافات الإسرائيلية الأخيرة للضاحية الجنوبية لبيروت، قبل أن يتبعه رد إسرائيلي داخل إيران.
غير أن السؤال الأهم هنا لا يتعلق بالضربة نفسها فقط، بل بتوقيتها، لماذا اختارت طهران هذه اللحظة تحديداً؟للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة قليلاً إلى ما سبق الضربة، فالتهدئة التي حاول الرئيس الأميركي دونالد ترمب تثبيتها في لبنان بدت منذ البداية هشة ومحدودة.
لم تكن هناك ضمانات واضحة، ولا انسحاب إسرائيلي كامل، ولا وقف شامل للعمليات في لبنان، ما جرى كان أقرب إلى محاولة لاحتواء التصعيد في بيروت والضاحية الجنوبية، من دون إغلاق الجبهة اللبنانية بصورة كاملة، خصوصاً في الجنوب.
في الوقت نفسه، كانت المفاوضات الأميركية - الإيرانية لا تزال قائمة، حتى وإن بدت متعثرة أو بطيئة.
الحديث عن مذكرة تفاهم لتمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً كان يعني، عملياً، فتح نافذة تفاوضية لمناقشة القضايا الكبرى كالملف النووي والتخصيب والعقوبات والأموال المجمدة وحرية الملاحة في مضيق هرمز، لكنها لم تكن نافذة مريحة لإيران بالكامل، لأنها جاءت في ظل ضغط ميداني إسرائيلي في لبنان، وضغط أميركي في التفاوض، وضغط دولي متزايد على طهران.
هنا يصبح توقيت الضربة مفهوماً أكثر، إيران لم تكن تريد أن تدخل المرحلة التفاوضية المقبلة وهي تبدو محاصرة أو مكتوفة اليدين، فمن وجهة نظرها، استمرار إسرائيل في ضرب لبنان، وخصوصاً الضاحية الجنوبية لبيروت، من دون كلفة مباشرة، كان سيعني أن الورقة اللبنانية تُنتزع منها تدريجاً، ولذلك، جاءت الضربة باتجاه إسرائيل محاولة لإعادة تثبيت معادلة جديدة أن استهداف الضاحية أو توسيع الضغط على" حزب الله" لن يبقى شأناً لبنانياً داخلياً، بل قد يستدعي رداً مباشراً على إسرائيل نفسها.
هذه المعادلة لم تعد محصورة فقط بفكرة" الجنوب مقابل الشمال"، صحيح أن الضربة الإيرانية ارتبطت بساحة لبنان، وأن جزءاً من الرسالة كان موجهاً إلى شمال إسرائيل، لكن اتساع الإنذارات والموجات لاحقاً إلى مناطق أوسع، بما في ذلك محيط تل أبيب، أعطى الرسالة بعداً أكبر، طهران تريد القول إن استمرار الضغط على لبنان يمكن أن يفتح الباب أمام استهداف أوسع داخل إسرائيل، لا مجرد رد محدود على الجبهة الشمالية.
لكن الضربة حملت أيضاً بُعداً داخلياً إيرانياً، فالنظام الإيراني يواجه ضغطاً داخلياً واضحاً، سواء بسبب الكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب، أو بسبب الانتقادات المتزايدة لطريقة إدارة المواجهة.
وفي مثل هذه اللحظات لا يكون الرد العسكري موجهاً إلى الخارج فقط، بل إلى الداخل أيضاً، فهو محاولة لإظهار أن إيران لا تزال قادرة على المبادرة، وأنها لم تفقد القدرة على الرد، حتى وهي تفاوض وتتعرض لضغوط من أكثر من اتجاه.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)في المقابل، لم يكن رد إسرائيل مفاجئاً، فمن الصعب أن تتلقى إسرائيل هجوماً إيرانياً مباشراً من دون رد، خصوصاً في ظل وضع داخلي ضاغط على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فهو لا يريد أن يظهر بمظهر من يتراجع أمام إيران، ولا يريد أيضاً أن يخسر ورقة الردع أمام الداخل الإسرائيلي، لكن المشكلة أن حسابات نتنياهو لا تبدو مطابقة تماماً لحسابات ترمب.
هنا تظهر واحدة من أهم نقاط الخلاف بين واشنطن وتل أبيب، ترمب يريد احتواء التصعيد لأنه يرى أن المسار التفاوضي مع إيران قد يمنحه إنجازاً سياسياً، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية.
بالنسبة إليه، الحرب الإقليمية الواسعة قد تتحول إلى عبء سياسي وأمني واقتصادي، أما نتنياهو فحساباته مختلفة، هو يحتاج إلى إظهار إنجاز عسكري وأمني، ويواجه ضغوطاً داخلية وانتخابية، ويرى أن استمرار الضغط على إيران و" حزب الله" قد يحسّن موقعه السياسي.
بمعنى آخر، ترمب يتعامل مع التصعيد باعتباره خطراً على صفقة محتملة، بينما يتعامل نتنياهو معه باعتباره فرصة لتحسين موقعه العسكري والسياسي.
هذا الاختلاف في الأولويات لا يعني بالضرورة وجود قطيعة بين واشنطن وتل أبيب، لكنه يكشف أن الطرفين لا ينظران إلى اللحظة نفسها بالطريقة ذاتها.
واشنطن تريد ضبط النار حتى لا تحرق المسار التفاوضي، بينما تريد إسرائيل الاحتفاظ بحرية الحركة، خصوصاً في لبنان.
من هنا يمكن فهم خطورة بقاء الجبهة اللبنانية مفتوحة، فإذا كانت الضربة الإيرانية جاءت في جزء كبير منها بسبب استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، فإن أي تهدئة مباشرة بين إيران وإسرائيل ستبقى ناقصة إذا لم تشمل لبنان.
فالجبهة اللبنانية ليست تفصيلاً جانبياً، بل أصبحت جزءاً من معادلة التفاوض والردع.
وإذا بقيت إسرائيل تضرب في لبنان، وإذا بقيت إيران تعتبر ذلك تهديداً مباشراً لحلفائها وموقعها الإقليمي، فإن التصعيد قد يعود حتى لو توقفت الضربات المباشرة بين طهران وتل أبيب موقتاً.
الأمر لا يتوقف عند لبنان وحده، دخول اليمن على خط التصعيد والحديث عن" حزام أمني للمقاومة من هرمز إلى باب المندب"، يعني أن المسار قد يصبح أكثر تعقيداً، فالمفاوضات لم تعد محصورة فقط بمضيق هرمز أو الملف النووي أو الأموال المجمدة، بل قد تجد نفسها أمام شبكة أوسع من الساحات: لبنان وإيران وإسرائيل والخليج والبحر الأحمر وباب المندب.
وكلما تعددت الساحات أصبح من الصعب فصل الملفات بعضها عن بعض أو احتواء التصعيد ضمن حدود ضيقة.
لذلك، ما جرى لا يمكن قراءته فقط كضربة ورد، بل هو اختبار حقيقي لترمب، ولإيران، وللمنطقة كلها، فإذا نجح ترمب في احتواء التصعيد، ونجحت إيران في الحصول على ضمانات أفضل في المفاوضات، بخاصة في ما يتعلق بلبنان، فقد نشهد عودة حذرة إلى مسار تفاوضي أضيق، أما إذا بقيت الجبهة اللبنانية مفتوحة، واستمر نتنياهو في البحث عن ردود إضافية، ولم تحصل طهران على ما تعتبره ضمانات كافية، فإن حلقة الردود المتبادلة قد تعود بصورة أعنف.
الخطر اليوم لا يكمن فقط في صاروخ أُطلق أو ضربة نُفذت، بل في منطق التصعيد نفسه، فكل طرف يريد أن يقول إنه لم يتراجع، وكل طرف يحاول تحسين شروطه قبل أي تفاهم سياسي.
وبين رغبة ترمب في إنقاذ المسار التفاوضي، وسعي إيران إلى تثبيت معادلة ردع جديدة، وإصرار إسرائيل على إبقاء لبنان ساحة مفتوحة، تبدو المنطقة أمام تهدئة موقتة أكثر منها أمام استقرار حقيقي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك