من الرفاهية إلى الحبس.
القروض تلتهم جيوب المواطنينخبير اقتصادي: القروض الشخصية.
حل سريع يتحول إلى عبء طويل الأمدخبير مصرفي: من الرفاهية إلى الديون.
كيف تغيرت وظيفة القروض؟طبيب نفسي يوضح الجانب النفسي للديون وتأثيرها على الأسرةيراها البعض في البداية حلًا سريعًا للأزمات المالية التي يمرون بها، إذ يمكن الحصول عليها وإنهاء إجراءاتها خلال دقائق، بل إن بعض الشركات التمويلية باتت تنزل إلى الشوارع وأمام المنازل لعرض قروض بفوائد تبدو مناسبة، ما يجعل الأمر في بدايته بسيطًا وسهلًا ومغريًا.
لكن ما يلبث أن يتغير المشهد سريعًا، ليدخل المواطن في دائرة معقدة من الالتزامات المالية والنفسية، بين تدبير قيمة القسط الشهري وسداده في موعده.
ومع أي تعثر أو تأخير، تبدأ الغرامات في التراكم، ليجد نفسه في نهاية المطاف أمام أعباء متزايدة قد تقوده إلى إجراءات قانونية صارمة.
وبذلك، لم تعد “الرفاهية” كما يراها البعض سوى مرحلة مؤقتة سرعان ما تتلاشى، أمام قروض تبدو صغيرة في قيمتها لكنها تلتهم جزءًا من دخل الأسر بشكل مستمر.
ومع تزايد الإقبال على القروض الشخصية من مختلف البنوك العاملة في الدولة، أصبحت ظاهرة التعثر في السداد تمثل قضية متنامية في الشارع المصري.
أرقام تكشف حجم القروض الشخصيةتشير أحدث بيانات البنك المركزي المصري إلى أن إجمالي القروض الممنوحة للأفراد ارتفع إلى نحو 1.
333 تريليون جنيه بنهاية أغسطس 2025، مقارنة بنحو 1.
129 تريليون جنيه بنهاية ديسمبر 2024، بمعدل نمو يقارب 18% خلال ثمانية أشهر فقط.
وتستحوذ القروض الشخصية على 77.
6% من التمويل الاستهلاكي للأفراد، ما يجعلها المنتج الأكثر انتشارًا داخل البنوك المصرية، في وقت تتزايد فيه الاعتمادات على الاقتراض لتغطية الاحتياجات الأساسية وليس الكمالية فقط.
توسع طبيعي في سوق التجزئة المصرفيةيرى الخبير المصرفي أحمد معطي أن النمو الحالي في القروض الشخصية يعكس تحولًا هيكليًا في استراتيجية البنوك المصرية نحو التوسع في قطاع التجزئة المصرفية، باعتباره أحد أكثر القطاعات استقرارًا وربحية.
وأضاف في تصريحات خاصة أن البنوك أصبحت تعتمد بشكل أكبر على دخل الأفراد الثابت مثل الرواتب والمعاشات، باعتباره مصدرًا منخفض المخاطر نسبيًا مقارنة بتمويل الشركات، خاصة في ظل تنوع أدوات التحصيل مثل الخصم المباشر وتحويل المرتبات.
وأشار معطي إلى أن ارتفاع الطلب على القروض الشخصية لا يمكن فصله عن توسع الشمول المالي وزيادة دخول شرائح جديدة إلى النظام المصرفي، ما أدى إلى نمو طبيعي في حجم الإقراض للأفراد، محذرًا في الوقت نفسه من ضرورة مراقبة نسب الاستقطاع الشهري لتجنب الضغط على العملاء.
خبير اقتصادي: القروض مرآة لضغوط المعيشةوفي سياق متصل، أكد الخبير الاقتصادي أشرف غراب أن الارتفاع المتسارع في القروض الشخصية يعكس بشكل مباشر الضغوط التضخمية التي تعرضت لها الأسر خلال السنوات الأخيرة، وليس مجرد توسع مصرفي طبيعي.
وأوضح أن جزءًا كبيرًا من القروض لم يعد يوجه إلى السلع المعمرة أو الاستثمارات، بل أصبح يُستخدم لتغطية احتياجات أساسية مثل التعليم والعلاج والإيجار، وهو ما يشير إلى تغير واضح في نمط الاستهلاك داخل المجتمع.
وأضاف أن استمرار هذا الاتجاه دون تحسن موازٍ في الدخول الحقيقية قد يؤدي إلى زيادة هشاشة الأوضاع المالية للأسر، مشددًا على أن القرض في هذه الحالة لا يمثل “حلًا اقتصاديًا” بقدر ما هو “تأجيل للأزمة”.
الديون وتأثيرها على السلوك والضغط النفسيأما على الجانب النفسي، فأكد الدكتور محمود محمد، خبير نفسي، أن القرارات المالية لا تُبنى دائمًا على منطق اقتصادي بحت، بل تتأثر بعوامل نفسية واجتماعية معقدة، أبرزها الرغبة في الحفاظ على صورة اجتماعية مستقرة رغم الضغوط المالية.
وأشار إلى أن ما يُعرف بـ”الاستهلاك التعويضي” يدفع بعض الأفراد إلى الاقتراض لمواكبة نمط حياة معين، أو لتجنب الشعور بالعجز أمام متطلبات المجتمع والأسرة، وهو ما قد يفاقم الأعباء المالية على المدى الطويل.
وحذر من أن تراكم الديون لا يؤثر فقط على الوضع المالي، بل يمتد إلى الصحة النفسية، حيث يؤدي إلى زيادة القلق والتوتر واضطرابات النوم، وقد ينعكس على العلاقات الأسرية ويخلق حالة من الضغط المستمر داخل المنزل.
مواطنون في مطبات بسبب القروض الشخصيةوفي شهادات حصلت عليها “بلدنا اليوم” من عدد من عملاء البنوك، تبيّن أن شريحة كبيرة من المواطنين تعاني على المستويين المالي والنفسي.
يقول أحمد مخلوف إنه اقترض من إحدى الشركات التمويلية لتجهيز شقة الزوجية، مؤكدًا أن الأمور في البداية كانت ميسرة وكان قادرًا على سداد القسط الشهري، لكن مع الوقت أصبح القسط يشكل جزءًا كبيرًا من دخله.
وأضاف أنه لم يكن يتوقع أن يصل به الحال إلى دوامة مستمرة من البحث عن طرق لتدبير القسط والخوف من اللجوء إلى القضاء.
وأشار إلى أنه لا يزال حتى الآن يسدد الغرامات التي فُرضت عليه بسبب التأخير، دون أن يعرف متى سينتهي هذا" الكابوس".
أما منى محمود، فذكرت أنها حصلت على قرض لعلاج أحد أفراد أسرتها، إلا أن الالتزامات الشهرية أصبحت مرهقة بشكل كبير.
وأكدت أن القسط استحوذ على جزء كبير من المصروفات الشهرية، لدرجة أثرت على مستوى المعيشة، محذرة من خطورة اللجوء إلى هذا النوع من الالتزامات دون دراسة دقيقة.
رؤية مصرفية.
توسع محسوب أم مخاطرة؟وفي السياق ذاته، يرى مصرفيون أن القطاع المصرفي لا يزال في نطاق آمن نسبيًا بفضل سياسات الإقراض القائمة على تحليل الدخل والالتزامات، لكنهم يشددون على أهمية مراقبة معدلات التعثر مع استمرار النمو السريع في محافظ الأفراد.
وما بين توسع البنوك في الإقراض وارتفاع الضغوط المعيشية، تتحول القروض الشخصية في مصر إلى أداة أساسية لإدارة الحياة اليومية، لكنها في الوقت نفسه تفتح بابًا لمخاطر مالية ونفسية متزايدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك