بين أسوار مؤسسة إعادة التربية والتأهيل بالعلمة بولاية سطيف، لم تكن الأجواء تشبه الأيام العادية.
خلف تلك الأبواب الحديدية الكبيرة، ثمة موعد مع الأمل والحرية الفكرية.
هنا، انطلقت امتحانات شهادة البكالوريا لدورة جوان، في حدث تحولت فيه المؤسسة العقابية إلى ما يشبه “الثانوية النموذجية” من حيث التنظيم والانضباط، بحضور السلطات القضائية يتقدمهم النائب العام ورئيس مجلس قضاء سطيف للإشراف المباشر على فتح الأظرفة.
لقد تحولت البكالوريا إلى محطة مصيرية تشغل بال المحبوسين وتملأ فراغهم الروحي والفكري خلف القضبان.
إنها السبيل الذي يفتح أمامهم مجال الطموح المشروع لبلوغ الأفضل وتغيير نظرة المجتمع إليهم، إذ تُمثل هذه الشهادة للنزلاء المفتاح السحري والوحيد الذي يضربون به عصفورين بحجر واحد، معانقة الحرية عبر الاستفادة من تدابير العفو وتخفيض العقوبات من جهة، وولوج عالم الجامعة الرحب من جهة أخرى.
فخلف تلك الأسوار الصامتة، تصبح البكالوريا تذكرة عبور رسمية نحو غد أفضل، وفرصة ثمينة أتيحت لهؤلاء المرشحين لإعادة بناء مسارهم المعرفي والمهني، وإثبات أن الخطأ في الماضي لا يعني أبداً نهاية المستقبل، بل قد يكون البداية الحقيقية لرحلة نجاح تبدأ من زنزانة السجن وتنتهي بمناصب مرموقة عبر رحاب مدرجات الجامعة.
بياض المآزر يكسر رتابة السجنعند دخولنا إلى الجناح المخصص للامتحانات، لفتت انتباهنا الحركة المحكمة والدقيقة لعمال وحراس المؤسسة.
يتحركون في كل الاتجاهات كخلية نحل، يقفون على كل صغيرة وكبيرة لتقديم الخدمات الضرورية للمترشحين، لكن من دون إحداث أي ضغط نفسي عليهم.
المشهد داخل الساحة والممرات كان يوحي بجدية بالغة، 104 مرشح من النزلاء، من مختلف الأعمار بين شباب في مقتبل العمر وكهول خطّ الشيب رؤوسهم، جُهزوا بالزي الموحد الذي تماشى مع طبيعة الحدث، حيث ارتدوا جميعهم مآزر بيضاء ناصعة كسرت رتابة المكان وأعطت انطباعاً تربوياً متميزا.
توزع المترشحون على 8 حجرات اختبار، يؤطرها أساتذة وإداريون تابعون لوزارة التربية الوطنية.
وبعد إعطاء إشارة الانطلاق الرسمية وتوزيع أسئلة مادة اللغة العربية، ساد صمت مطبق في القاعات، وانهمك الجميع في الإجابة وسط ظروف بيداغوجية عادية جداً لا تختلف تماماً عن تلك السائدة في المؤسسات التربوية الخارجية.
إصرار على النجاح… و”مير” بين المرشحينفي حديثنا مع أحد النزلاء المرشحين، لمسنا وعياً كبيراً وعزيمة فولاذية، حيث صرّح لنا والابتسامة لا تفارق محياه: “التنظيم هنا محكم للغاية، ولم نشعر بأي نقص.
وفرت لنا إدارة المؤسسة كل الوسائل الضرورية، والمعاملة من طرف الحراس والأساتذة المؤطرين القادمين من الخارج ممتازة وجد محترمة.
نحن اليوم كلنا عزيمة لتحقيق النجاح وتغيير مسار حياتنا”.
حدثنا بعض الأساتذة المؤطرين، الوافدين من قطاع التربية الوطنية، فأكدوا لنا بذهول: “العملية تجري في ظروف تنظيمية صارمة ومحكمة، والأجواء داخل القاعات لا تفرق تماماً عن أجواء الثانويات العادية، بل إن الانضباط والهدوء هنا قد يفوق أحياناً ما نشهده في الخارج”.
وخلال جولتنا بين قاعات الامتحان، استوقفنا ملمح إنساني خاص يعكس أن البكالوريا لا تعترف بالظروف أو المناصب السابقة، فمن بين المرشحين وجدنا رئيسا سابقا لإحدى البلديات، حيث يقضي عقوبته بالمؤسسة.
الرجل بدا مركّزاً بشكل كامل في ورقة امتحانه، ويأمل هو الآخر في نيل الشهادة وفتح صفحة جديدة عنوانها العلم والمعرفة.
عندما يتحول السجين الجامعي إلى “أستاذ” لزملائههذه الأجواء المثالية لم تأت من عدم، بل كانت ثمرة عام كامل من التحضير والجهد خلف أسوار المؤسسة.
فقد وضعت إدارة السجن تحت تصرف النزلاء قاعات للمطالعة، ومكتبة غنية بكافة المراجع العلمية والكتب المنهجية، فضلا عن تنظيم دروس دعم مستمرة.
والجميل في هذه التجربة، هو التضامن بين السجناء أنفسهم، إذ لعب بعض المحبوسين من حاملي الشهادات الجامعية دور المكونين والأساتذة لزملائهم، مقدمين لهم عصارة تجربتهم العلمية ونصائحهم البيداغوجية طيلة أشهر السنة، في صورة تجسد المعنى الحقيقي لإعادة التأهيل والإدماج الاجتماعي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك