مرت 100 يوم على اندلاع الحرب على إيران والتي انخرطت فيها نحو 16 دولة بشكل مباشر، من أبرزها إيران وأميركا وإسرائيل ودول الخليج الست ولبنان والعراق واليمن.
حدث جيوسياسي وأمني وعسكري كبير وصادم ومفاجئ غيّر خريطة الاقتصاد العالمي بالكامل وقواعد الخريطة السياسية ودرجة المخاطر الجيواستراتيجية، وهزّ قطاعاته الحيوية، وفي المقدمة الطاقة والسياحة والطيران والشحن والاستثمار وأسواق السلع والخدمات والمعادن وأسواق المال والبورصات، وفرض معادلات جديدة في أنشطة التجارة الدولية وسلاسل التوريد، وخلق واقعاً جديداً يتعلق بالموانئ والممرات المائية والمضايق، ودلل بشكل عملي كيف تحولت تلك الممرات إلى أسلحة قوية في يد بعض الأطراف المتحاربة، وفي مقدمتها إيران.
حرب أعادت شبح العجز إلى موازنات الدول حيث كلفة قد تصل إلى تريليون دولار، وضغطت بشدة على الحكومات، الثرية والفقيرة.
فهناك 55 دولة اتخذت إجراءات طوارئ لمواجهة تداعيات الحرب الخطيرة على أسواق السلع والتصدي لموجة غلاء طاحنة وزيادة كلفة المعيشة، كذلك أعادت الحرب معدلات النمو السلبية والركود والتضخم، وربما الكساد لاحقاً لواجهة الأحداث، وأربكت حسابات البنوك المركزية والحكومات وصناع القرار والمستهلك والمنتج على حد سواء، وسببت تداعيات اقتصادية عالمية وإقليمية قاسية، وأعادت حالة الغموض واللايقين إلى الاقتصاد العالمي وأسواقه المالية، وأسفرت عن ملايين النازحين وآلاف القتلى.
حرب أعادت شبح العجز إلى موازنات الدول حيث كلفة قد تصل إلى تريليون دولار، وضغطت بشدة على الحكومات، الثرية والفقيرةالرابحون من الحرب على إيران أقلية، روسيا والنرويج وكندا والبرازيل وغيرها من الدول النفطية المصدرة للطاقة والواقعة خارج منطقة الشرق الأوسط، وكذا تجار السلاح وشركات الطاقة الأميركية والأوروبية وتجار النفط والغاز والمضاربون في الخام الأسود، فهؤلاء ربحوا من الطفرة السريعة في أسعار النفط عقب اندلاع الحرب التي قفزت من أقل من 70 دولاراً للبرميل إلى أكثر من 100 دولار في أسابيع قليلة، واستفادوا من تعطل نحو 20% من إمدادات النفط العالمية التي تنتقل عبر مضيق هرمز، وحجب نحو 15 مليون برميل من نفط الخليج عن الأسواق.
أما الخاسرون من الحرب على إيران، فهم كثر: إيران التي تقدَّر خسائرها بما بين 275 و300 مليار دولار، وربما أكثر، دول الخليج التي تعطل الجزء الأكبر من إمداداتها من الطاقة وتكبدت خسائر فادحة في البنية التحتية وصادرات النفط والغاز وأنشطة الطيران والسياحة، وقفز إنفاقها العسكري بسرعة حيث تقدر خسائرها بنحو 400 مليار دولار، ومن المتوقع أن يقفز الرقم حسب تقديرات المصارف العالمية الكبرى، العراق الذي تعتمد إيراداته على صادرات النفط، وكذا الاقتصادات العربية حيث تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن كلفة الصراع على الاقتصادات العربية قد تراوح بين 120 ملياراً و200 مليار دولار، نصيب الخليج منها يقارب 168 مليار دولار.
الحرب على إيران خلقت خريطة جديدة للعالم، سياسياً واقتصادياً، ومن المتوقع أن تمتد تأثيراتها الخطيرة عدة سنوات مقبلة، وبشكل يفوق كثيراً خسائر الحرب الأوكرانيةومن بين الخاسرين اقتصادياً، الولايات المتحدة، التي باتت تعاني من تضخم مرتفع في أسعار مشتقات الوقود والأغذية ومستلزمات الإنتاج، لدرجة دفعت بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى تأجيل خططه بخفض سعر الفائدة والتخلي عن سياسة التشدد النقدي، وكذا دولة الاحتلال التي عمّقت الحرب أزمتها الاقتصادية والمالية، وتضخم عجز موازنتها، وتضررت بنيتها التحتية بشدة، ودفعت ما تبقى من المستثمرين والسياح إلى الهروب، إضافة إلى ضخامة الانفاق العسكري وخسائر مباشرة تجاوزت 12 مليار دولار.
أما الخاسر الأكبر من وجهة نظري، فهو المواطن على مستوى دول العالم، الذي وجد نفسه فجأة أمام انهيارات اقتصادية وموجة تضخمية عنيفة وتهاوٍ في العملات المحلية والقدرة الشرائية وغلاء المعيشة وقفزة في أسعار مشتقات الوقود من بنزين وسولار وغاز وكهرباء والمواصلات وإيجارات السكن والاتصالات.
ويتساوى في ذلك المواطن المصري والتونسي والأردني والسوري والعراقي واليمني مع نظيره في إيران وتركيا والهند وبنغلادش وغيرها من الدول الآسيوية.
الحرب على إيران خلقت خريطة جديدة للعالم، سياسياً واقتصادياً، ومن المتوقع أن تمتد تأثيراتها الخطيرة عدة سنوات مقبلة، وبشكل يفوق كثيراً خسائر الحرب الأوكرانية، وفي تقديري أن الأسوأ لم يأتِ بعد، وأن حصر الخسائر بات مهمة صعبة في ظل استمرار التوتر في منطقة الشرق الأوسط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك