منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، لم يقتصر حضور طهران في الملف اللبناني على المواقف السياسية والدبلوماسية، بل ارتبط بمسار طويل من الدعم في مواجهة المشروع" الإسرائيلي" في المنطقة،وعلى مدى عقود، أكدت القيادة الإيرانية مراراً التزامها بالوقوف إلى جانب لبنان في مواجهة الاعتداءات" الإسرائيلية" تحقيقاً لأمنه واستقراره، ومع العدوان اليوم ومنذ الثاني من آذار، عادت هذه المواقف المقرونة بالفعل إلى الواجهة، فربطت طهران الاتفاق مع واشنطن بوقف الحرب على لبنان، وبعد إقدام مسؤولين صهاينة على تهديد الضاحية الجنوبية للعاصمة مؤخراً، أعلنت طهران أن استهداف الضاحية لن يمر من دون رد.
هو موقفٌ قوبل بتشكيك واسع من قبل جهات سياسية وإعلامية اعتبرت أن التصريحات الإيرانية تندرج في إطار الرسائل السياسية أكثر مما تعكس استعداداً للانتقال إلى خطوات عملية، حتى كان العدوان على منطقة المريجة، والذي قابلته الجمهورية الإسلامية بردّ واسع على مستوطنات كيان العدو، فكانت صادقة الوعد، وفي هذا السياق، تُقرأ الخطوة الإيرانية من زوايا عدة برأي الخبير العسكري العميد منير شحادة، مشيراً إلى أنه في العلاقات الدولية، لا تكفي التهديدات بحد ذاتها، بل تُقاس قيمة التهديد بمدى الاستعداد لتنفيذه، وعندما تتعرض دولة أو حليف استراتيجي لضربة من دون ردّ، تبدأ الأطراف الأخرى بالتشكيك في صدقية خطوطها الحمراء، لذلك يصبح الرد، مهما كان حجمه، وسيلة للإثبات أن التهديد السابق لم يكن مجرد خطاب سياسي".
ويضيف شحادة: " إذا مر أي اعتداء من دون رد، فقد يُفهم ذلك على أنه قبول ضمني بقواعد اشتباك جديدة تسمح بتكرار الضربات مستقبلاً، أما الرد فيهدف إلى منع تثبيت هذه المعادلة وإبقاء كلفة الاعتداء مرتفعة"، مشيراً إلى أن أي ردّ يحمل رسالة داخلية لمحور الحلفاء بقدر ما يحمل رسالة للخارج، ناهيك عن إظهار القدرة على اتخاذ القرار.
تكمن الأهمية الاستراتيجية للرد الإيراني بحسب شحادة في أنها توجه رسائل كثيرة، منها رفع مستوى الردع والتأثير على قرار التصعيد، لافتاً إلى أن الردّ الناجح يجعل الخصم مضطراً إلى إعادة حساباته قبل أي عملية مشابهة مستقبلاً، فبدلاً من التفكير في المكاسب فقط، يصبح عليه احتساب احتمال الرد وما قد يسببه من توسع للمواجهة، وعندما يثبت طرف ما أنه مستعد للرد، تصبح القرارات العسكرية اللاحقة أكثر تعقيداً، وقد يدفع ذلك الخصم إلى تفضيل الضربات المحدودة أو العمل الدبلوماسي بدلاً من المغامرات الواسعة.
ويوضح شحادة أن كل مواجهة تنتج قواعد جديدة، وإذا جاء الرد بصورة مدروسة، فإنه يساهم في تحديد ما هو مسموح وما هو ممنوع في المرحلة المقبلة، ويؤسس لمعادلات ردع قد تستمر لسنوات، ناهيك عن تعزيز الموقع التفاوضي، فالتاريخ العسكري يظهر أن الأطراف التي تدخل أي مسار تفاوضي بعد أن أثبتت قدرتها على الرد، تكون في موقع أقوى من الأطراف التي تظهر بمظهر العاجز عن فرض كلفة على خصومها.
وبين الرسائل العسكرية والسياسية التي حملها الرد الإيراني، يبقى الثابت أن معادلات المواجهة مع العدو" الإسرائيلي" ومن خلفه الولايات المتحدة لم تعد كما كانت، وأن أي اعتداء جديد بات يُقابَل بحسابات أكثر تعقيداً على مستوى المنطقة بأسرها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك