في خطوة تعكس التحول الجذري والاضطراب الحالي في صناعة السيارات العالمية، تراجعت شركة نيسان عن إستراتيجيتها الطموحة لتعميم السيارات الكهربائية بالكامل (EVs) في أهم أسواقها الغربية (الولايات المتحدة وأوروبا).
فبعد سنوات من إطلاق مبادرتها الطموحة" Ambition 2030" التي استهدفت التحول الشامل نحو الكهرباء، اصطدمت المجموعة اليابانية بتباطؤ حاد في مبيعات السيارات الكهربائية، وتغير السياسات الحكومية، والمنافسة الشرسة، مما دفعها إلى اتخاذ قرارات حاسمة بإلغاء استثمارات بمئات الملايين من الدولارات وإعادة توجيه بوصلتها نحو السيارات الهجينة والشاحنات التي تعمل بالبنزين.
مشروع محاور الدفع الكهربائية (e-Axle) في أوروباأحد أبرز ملامح هذا التراجع كان في القارة الأوروبية، وتحديدا في المملكة المتحدة، حيث أعلنت شركة" جاتكو" (Jatco)، الذراع المتخصصة في تصنيع أنظمة نقل الحركة والتابعة لشركة نيسان، عن إلغاء خطتها الرسمية لإنتاج محاور الدفع الكهربائية (3-in-1 e-Axle) في مصنعها بمدينة سندرلاند البريطانية.
كان المشروع يتضمن استثمارا يقدر بنحو 9 مليارات ين ياباني (نحو 56.
2 مليون دولار) لبناء منشأة بمساحة 138840 قدماً مربعاً لتصنيع ما يصل إلى 340 ألف وحدة سنويا من محركات الدفع الكهربائي المتكاملة، لتغذية طرازات نيسان المستقبلية.
جاء هذا القرار كجزء من خطة التحول الشاملة للشركة نتيجة للانخفاض الرهيب في الطلب على سيارات نيسان الكهربائية في أوروبا، حيث تشير التقارير إلى تراجع مبيعات طراز" ليف" (Leaf) الكهربائي بنسبة تجاوزت 99% في بعض الأسواق الأوروبية، بجانب انخفاض مبيعات طراز" أريا" (Ariya) بنسبة 44%، مما هبط بحصة نيسان السوقية في أوروبا إلى 2.
2% فقط.
وبدلا من التصنيع المحلي للمحركات في بريطانيا، ستعتمد نيسان على استيراد وحدات الدفع الكهربائية مباشرة من اليابان لتقليل النفقات الثابتة، مع تحجيم التوقعات بشأن الإصدارات الكهربائية الكاملة لطرازي" قاشقاي" (Qashqai) و" جوك" (Juke).
خطة استثمارية بقيمة 500 مليون دولار في أمريكابالتوازي مع التراجع الأوروبي، تلقت خطط نيسان الكهربائية في أمريكا الشمالية ضربة قاضية، حيث أبلغت الشركة الموردين والتجار رسميا بإلغاء مشروعها الضخم لتصنيع السيارات الكهربائية في مصنع" كانتون" بولاية ميسيسيبي.
وفي عام 2021، تعهدت نيسان بضخ استثمارات بقيمة 500 مليون دولار لتحديث مصنع كانتون (الذي يمتد على مساحة 4.
7 مليون قدم مربع)، لجعله مركزا لإنتاج جيل جديد من السيارات الكهربائية والبطاريات لصالح علامتي" نيسان" و" إنفينيتي" الفاخرة، مستهدفة بيع 200 ألف سيارة كهربائية سنويا في أمريكا بحلول عام 2028.
وتعود عوامل التراجع في أمريكا إلى تباطؤ الطلب والنمو، حيث تراجع نمو مبيعات السيارات الكهربائية في السوق الأمريكية بشكل عام بنسبة 27% في الربع الأول من عام 2026 وفقا لبيانات، إضافة إلى السياسات والتشريعات، فقد أدى إلغاء الحكومة الأمريكية للإعفاءات الضريبية الفيدرالية التي كانت تمنح المشترين خصما بقيمة 7500 دولار، إلى جعل السيارات الكهربائية غير جاذبة سعريا للمستهلك الأمريكي.
كما قامت نيسان بسحب سيارة الكروس أوفر الكهربائية" أريا" وسيارات سيدان كهربائية أخرى من خطوط الإنتاج الأمريكية المستهدفة، والإبقاء فقط على طراز" ليف" كخيار كهربائي وحيد متاح هناك.
الإستراتيجية البديلة.
الشاحنات والسيارات الهجينةلمواجهة هذا التراجع وضمان استمرار الربحية وتجنب الخسائر المالية الضخمة، وضعت نيسان خطة بديلة تعتمد على محاور تقليدية وأخرى هجينة تتماشى مع طلب المستهلك الحالي من خلال:إعادة إحياء منصات الشاحنات وسيارات الدفع الرباعي: تعتزم نيسان تحويل مصنع" كانتون" في ميسيسيبي لإنتاج سيارات وشاحنات تقليدية وهجينة.
البداية ستكون عبر إعادة إحياء سيارة الطرق الوعرة الشهيرة نيسان" إكس تيرا" (Xterra) بحلول عام 2028 كسيارة رياضية متعددة الاستخدامات بأسعار معقولة، تليها نسخة جديدة بـ 3 صفوف من المقاعد لشاحنة نيسان" فرونتير" (Frontier)، بالإضافة إلى ثلاثة طرازات أخرى تشترك جميعها في نفس المنصة لخفض تكاليف الهندسة بنسبة 70%.
التوسع في تكنولوجيا e-Power الهجينة: تركز الشركة بشكل مكثف على نظامها الهجين الذكي" إي-باور" (e-Power) (حيث يعمل محرك البنزين كمولد للكهرباء فقط بينما تدفع العجلات بواسطة محركات كهربائية).
هذا النظام سيتم تعميمه في طرازات شهيرة مثل" نيسان كيكس" (Kicks) و" نيسان روغ" (Rogue) لتلبية احتياجات المستهلكين الذين يبحثون عن كفاءة استهلاك الوقود دون قيود الشحن الكهربائي.
تقليص القدرات الإنتاجية عالميا: كجزء من إستراتيجية إعادة الهيكلة الكبرى، تهدف نيسان إلى تقليص عدد مصانعها الإجمالية عالميا من 17 مصنعاً إلى 10 مصانع فقط بحلول عام 2027، وخفض التكاليف الثابتة، مع استهداف رفع مبيعاتها الإجمالية في أمريكا الشمالية إلى مليون وحدة بحلول عام 2031 عبر التركيز على المركبات الهجينة والوقود.
هذا التحول من نيسان لا يحدث في معزل عن القطاع، بل يمثل موجة عامة ضربت عمالقة السيارات، فشركات أمريكية كبرى مثل جنرال موتورز (GM) وفورد (Ford) اتخذت قرارات مشابهة بتأجيل أو إلغاء خطوط إنتاج الشاحنات الكهربائية بالكامل، وإعادة التركيز على محركات الاحتراق الداخلي والسيارات الهجينة (Hybrids).
ويتضح أن السوق الأمريكي الشمالي يتجه حاليا بوضوح نحو السيارات الهجينة، في حين يظل نمو السيارات الكهربائية منحصرا بشكل أكبر في أسواق آسيا وأجزاء من أوروبا، مدفوعا بانتشار الشركات الصينية ذات التكلفة المنخفضة.
تراجع نيسان عن اندفاعتها الكهربائية في أوروبا وأمريكا ليس مجرد خطوة إلى الوراء، بل هو اعتراف واقعي وجريء بأن الطريق نحو بيئة خالية من الانبعاثات ليس خطا مستقيما، بل ممر مليء بالمنعطفات الاقتصادية والجيوسياسية.
وقد أثبتت التحولات الأخيرة في سوق السيارات العالمي أن المستهلك لم يتخل عن الوقود التقليدي بالسرعة التي توقعتها مجالس إدارات الشركات، وأن البنية التحتية والتشريعات ما زالت قاصرة عن مجاراة الطموحات الكبرى.
وتعكس إستراتيجية نيسان مفهوم" المرونة التكتيكية"، فالشركات التي ستنجو في هذا العصر المضطرب ليست تلك التي تتمسك بخططها القديمة بحرفية عمياء، بل تلك التي تملك الشجاعة لتغيير شراعها مع اتجاه الريح.
ومن خلال الموازنة بين موثوقية محركات البنزين وكفاءة التكنولوجيا الهجينة، تحاول نيسان تأمين حاضرها المالي، في انتظار اللحظة التي ينضج فيها السوق العالمي لتقبل الثورة الكهربائية بالكامل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك