شهد الصراع المحتدم داخل حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية -اليوم الثلاثاء- منعطفا هاما، كشف حجم الانقسام الذي يضرب الحزب، إذ بدا -أكثر من أي وقت مضى- وكأنه يُقاد برأسين متنازعين وخطابين متصادمين، في مشهد غير مسبوق منذ عقود يضعه على أعتاب انشطار تنظيمي وسياسي محتمل.
فقد أعلن الزعيمان المتنازعان على رئاسة الحزب -أحدهما يستند إلى شرعية انتخابية داخلية مطعون فيها، والآخر إلى قرار قضائي مثير للجدل- عزمهما عقد اجتماعين منفصلين لنواب الحزب في اليوم نفسه، فيما يشبه استفتاء ميدانيا على الولاءات داخل المؤسسة الحزبية، واختبارا مباشرا لموازين القوة بين المعسكرين.
مع قرب موعد اجتماع الكتلة البرلمانية للحزب، اتجهت الأنظار إلى مقر البرلمان، وتدحرجت الأزمة سريعا، بعد إعلان رئيس الحزب المنتخب والمعزول قضائيا أوزغور أوزال تمسكه بـ" حقه" في اعتلاء المنبر ومخاطبة برلمانيي الحزب، بوصفه الرئيس الذي اختاره أعضاء الحزب.
بشكل استباقي تمكنت جموع من أنصاره من الوصول مبكرا قبل الموعد المحدد بساعات، واحتجاز أعداد كبيرة من مقاعد البرلمان، ومنع أنصار غريمه كليتشدار أوغلو من الدخول إليه، ونتيجة لذلك، تحولت أروقة البرلمان ومحيطه إلى ساحة شد وجذب بين أنصار الطرفين، حيث اندلعت مشادات واحتكاكات بين الفريقين، مما دفع إدارة البرلمان إلى تشديد الإجراءات الأمنية وفرض قيود على الدخول خشية اتساع نطاق المواجهة.
ومع تحول ممرات البرلمان والطرق المؤدية إليه، إلى ما يشبه" غرف عمليات" لاقتناص النواب والسيطرة على مفاصل الشرعية في الحزب، قرر رئيس الحزب المعاد بقرار قضائي كليتشدار أوغلو نقل الاجتماع إلى مقر الحزب، متهما فريق أوزال وتياره بالتحريض، ومتعهدا بمحاربة المفسدين ومن أوصلوا الحزب إلى هذه الحالة.
الحزب الحاكم يراقب وحليفه يوجهوبينما كانت أزمة المعارضة تتفاقم أمام أعين الجميع، كان حزب العدالة والتنمية الحاكم يتفرج على الاحتكاك بين جناحي الحزب المعارض، ملتزما الصمت ومكتفيا بمراقبة مشهد الصراع الداخلي الذي يضرب أبرز منافسيه السياسيين.
أما حليفه في التحالف الحاكم، حزب الحركة القومية -الشريك الرئيسي في التحالف الحاكم- فقد دخل على خط الأزمة، حيث أدلى رئيسه دولت بهتشلي، بتصريحات قال فيها إن حزب الشعب الجمهوري أصبح يعيش حالة ازدواجية قيادية، ويتحدث بلغتين ويسير في اتجاهين متعاكسين.
وانتقد -وفقا لوسائل إعلام تركية- نقل الخلافات الحزبية إلى الميادين، مطالبا بالاحتكام إلى العقل، وإدارة العملية القانونية والقضائية بعيدا عن ضوضاء الحشود وصخب الشوارع.
ورغم أن أحداث اليوم تمثل أحد أخطر تجليات الأزمة منذ صدور الحكم القضائي الأخير، فإنها ليست الحلقة الأولى في مسلسل الصدام داخل الحزب.
ففي أواخر الشهر الماضي، تحول المقر الرئيسي للحزب في أنقرة إلى بؤرة توتر ومواجهات بين أنصار القيادتين المتنافستين، تخللتها اشتباكات وتراشق بالحجارة، وخرجت مظاهرات حاشدة في أنقرة وإسطنبول وإزمير رفضا لقرار إقصاء أوزال من رئاسة الحزب.
ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف حرب التصريحات بين المعسكرين، حيث تبادل الطرفان اتهامات بالخيانة والفساد والسعي إلى تقويض إرث الحزب التاريخي الذي يعيش اليوم أسوأ أيامه، وأصبح منقسما على المستوى القيادي والجماهيري بين ما يصفه مؤيدو أوزال بـ" الشرعية الشعبية والتنظيمية" التي يمثلها الجيل الجديد من القيادات، وفي مقدمتهم أوزال وحليفه أكرم إمام أوغلو، وبين ما يعتبره أنصار كليتشدار أوغلو" الشرعية القانونية والمؤسساتية" التي كرسها الحكم القضائي الأخير.
لماذا انفجرت الأزمة في الحزب؟تعود جذور الأزمة الحالية -في شكلها الحالي- إلى القرار الذي أصدرته محكمة الاستئناف في أنقرة في 21 مايو/أيار الماضي، القاضي بإلغاء نتائج مؤتمر الحزب لعام 2023 الذي أوصل أوزغور أوزال إلى رئاسة الحزب، بعد ثبوت مخالفات واتهامات بشراء الأصوات خلال عملية الانتخاب.
كما نص القرار على إعادة كمال كليتشدار أوغلو إلى رئاسة الحزب بصورة مؤقتة، وتكليفه بإدارة المرحلة الانتقالية والدعوة إلى مؤتمر عام جديد خلال 40 يوما.
غير أن القرار -وبدلا من أن ينهي الأزمة- فتح الباب أمام صراع غير مسبوق على الشرعية والقيادة، حوّل أكبر أحزاب المعارضة التركية إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين جيلين ورؤيتين ومركزي قوة يتنافسان على رسم مستقبل الحزب، وربما مستقبل المعارضة التركية بأكملها، في فترة بالغة الأهمية والحساسية من تاريخ تركيا والإقليم برمته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك