خلّفت وفاة عاملة زراعية موسمية مغربية، نهاية الأسبوع الماضي، إثر تعرضها لضربة شمس داخل إحدى الضيعات الفلاحية بإقليم ويلبا الإسباني، المعروف بإنتاج الفواكه الحمراء، موجة واسعة من الغضب في الأوساط النسائية والحقوقية والنقابية المغربية.
وتعيد الفاجعة إلى الواجهة الجدل المستمر حول ظروف العمل التي تشتغل فيها العاملات الزراعيات المغربيات بحقول ويلبا بإسبانيا، ومدى مراقبة وضمان احترام حقوقهن الأساسية.
فيما كان لافتاً ارتفاع مطالبة حقوقية ونقابية بتدخل السلطات المغربية من أجل ضمان شروط عمل وإقامة تحفظ الكرامة الإنسانية وتقي من تكرار المآسي.
ولا تعد وفاة العاملة المغربية الأولى من نوعها، بل تنضاف إلى سجل مقلق من حالات الوفاة المسجلة في صفوف العاملات المغربيات منذ عام 2019، ما يطرح علامات استفهام كبرى حول شروط السلامة المهنية في المزارع الإسبانية.
ومنذ عام 2006، بدأت رحلة ما سمي ببرنامج" الهجرة الدائرية" بين المغرب وإسبانيا، والذي يستهدف النساء المتراوحة أعمارهن ما بين 25 و40 سنة للعمل في جني الفراولة والفواكه الحمراء في حقول ويلبا التي توصف بـ" الجحيم" بالنظر إلى ظروف العمل الصعبة، شريطة أن يتوفرن على خبرة فلاحية وأن يتحدرن من منطقة قروية ويكون لديهن طفل واحد على الأقل دون سن 18 سنة، وأن يكن متزوجات أو مطلقات أو أرامل.
وبحسب الكاتبة الوطنية لمنظمة" النساء الاتحاديات" حنان رحاب، فإن وفاة العاملة المغربية الموسمية في حقول الفراولة بإسبانيا ليست مجرد حادث عرضي مؤلم، بل هي نتيجة مباشرة لظروف عمل غير إنسانية ولمنظومة تشغيل موسمي ما زالت تتعامل مع النساء العاملات بمنطق اليد العاملة الرخيصة بدل منطق الحقوق والكرامة الإنسانية.
وتقول رحاب، في حديثها لـ" العربي الجديد"، إن هذه الفاجعة تكشف مرة أخرى الوجه الحقيقي لما يُقدَّم للرأي العام باعتباره نموذجاً للهجرة الآمنة والمنظمة، بينما تجد العديد من العاملات أنفسهن في مواجهة مخاطر صحية ومناخية متزايدة، دون حماية كافية ودون آليات فعالة تضمن سلامتهن الجسدية وحقوقهن الأساسية.
وتتابع: " نُحمّل المشغل المسؤولية الكاملة عن كل إهمال أو تقصير ربما يكون قد أدى إلى هذه الوفاة، ونطالب بفتح تحقيق عاجل ومستقل لكشف الحقيقة كاملة وترتيب المسؤوليات القانونية، مع ضمان إنصاف أسرة الضحية وتعويضها التعويض العادل".
وتعتبر رحاب أن استمرار تكرار المآسي والانتهاكات المرتبطة بالعمل الموسمي يفرض مساءلة الجهات المغربية والإسبانية المكلفة بالتتبع والمراقبة، والتي لا يمكن أن يقتصر دورها على تنظيم سفر العاملات وتوقيع الاتفاقيات، وإنما أن يمتد إلى ضمان شروط عمل تحفظ الحق في الحياة والصحة والكرامة.
وترى أنه آن الأوان لإعادة النظر بشكل جذري في شروط تشغيل العاملات الموسميات المغربيات بالخارج، وفرض آليات رقابة صارمة ومستمرة، خاصة في ظل التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة، بما يضمن عدم تحول البحث عن لقمة العيش إلى رحلة محفوفة بالمخاطر قد تنتهي بالموت.
وتؤكد أن" كرامة النساء المغربيات ليست سلعة للتصدير، وليست ثمناً للفقر والهشاشة الاجتماعية"، معتبرة أن ما وقع اليوم يجب أن يكون لحظة حقيقة ومساءلة، لا مناسبة جديدة لإصدار بيانات التعاطف ثم طي الملف في انتظار ضحية أخرى.
وتضيف: " لن نقبل بأن تظل نساء المغرب وقوداً لازدهار فلاحي وراء البحار على حساب حياتهن وكرامتهن.
العدالة للفقيدة، والحماية والكرامة لكل العاملات الموسميات".
من جهته، يعتبر الرئيس الوطني لـ" الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان" إدريس السدراوي أن وفاة العاملة الزراعية المغربية الموسمية بإقليم ويلبا الإسباني تمثل فاجعة إنسانية مؤلمة، وتعيد إلى الواجهة واقع الحماية القانونية والاجتماعية للعاملات المغربيات المهاجرات، كما تثير تساؤلات جدية حول مدى احترام الحقوق الأساسية للعمال المهاجرين داخل أماكن العمل.
ويقول السدراوي، في تصريح لـ" العربي الجديد"، إنه من منظور حقوق الإنسان، فإن الحق في الحياة والصحة والسلامة المهنية مكفول بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقيات منظمة العمل الدولية ذات الصلة.
كما أن حماية العمال المهاجرين تقتضي اتخاذ تدابير خاصة بالنظر إلى أوضاعهم الهشة وارتباطهم بعقود عمل موسمية قد تجعلهم أكثر عرضة للاستغلال والانتهاكات.
ويعتبر أن هذه الوفاة تستوجب فتح تحقيق شامل وشفاف ومستقل لتحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية اللازمة وضمان حق أسرة الضحية في الإنصاف وجبر الضرر، داعياً السلطات الإسبانية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لتعزيز شروط السلامة والصحة المهنية في القطاع الفلاحي، خاصة خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة، وضمان توفير المياه الصالحة للشرب وأماكن الاستراحة والرعاية الصحية ووقف العمل خلال الظروف المناخية الخطيرة التي تهدد حياة العمال والعاملات.
ويتابع: " أمام هذه الفاجعة تجدد الرابطة دعوتها للمملكة الإسبانية إلى المصادقة على الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، باعتبارها الإطار الأممي الأكثر شمولاً لحماية هذه الفئة، والعمل على مواءمة تشريعاتها وسياساتها العمومية مع المعايير الواردة فيها".
كما تدعو إلى تفعيل التوصيات الصادرة عن هيئات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، بما فيها اللجنة المعنية بالعمال المهاجرين، والمقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان، والتي تؤكد على ضرورة ضمان المساواة في الحقوق والحماية الاجتماعية والصحية للعمال المهاجرين، وتعزيز آليات التفتيش على أماكن العمل، وتوفير سبل الانتصاف الفعالة للضحايا.
وتطالب الرابطة كذلك السلطات المغربية بتعزيز آليات تتبع أوضاع العاملات الموسميات بالخارج، وإحداث آليات للشكايات والمواكبة القانونية والاجتماعية، والتفاوض مع الجانب الإسباني من أجل إدراج ضمانات أقوى لحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والصحية للعاملات المغربيات.
ويرى السدراوي أن حماية العاملات المغربيات بإسبانيا ليست مجرد قضية اجتماعية أو مهنية، بل هي التزام حقوقي وأخلاقي وقانوني يقتضي من جميع الأطراف المعنية العمل المشترك لضمان الكرامة الإنسانية والعمل اللائق والسلامة الجسدية لجميع العمال المهاجرين دون تمييز.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك