يكشف تتبع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن المفاوضات مع إيران نمطًا متكررًا من الوعود بقرب التوصل إلى اتفاق، دون أن يفضي ذلك إلى نتائج ملموسة.
وفي المقابل، تشير قراءات وتحليلات غربية إلى أن طهران استثمرت حرص واشنطن على إبقاء المسار الدبلوماسي قائمًا لتعزيز موقعها التفاوضي وفرض معادلات جديدة؛ تجمع بين العمل العسكري والتحرك السياسي.
أسلوب ترمب في إدارة المفاوضاتفمنذ أواخر مارس/ آذار الماضي، تحولت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن قرب التوصل إلى اتفاق مع إيران إلى خط زمني يكشف أسلوبه في إدارة المفاوضات، أكثر مما يعكس اقتراب التوصل إلى اتفاق فعلي.
وأحصت شبكة" سي إن إن" ما لا يقل عن 37 تصريحًا لترمب أكد فيها، أن الاتفاق بات قريبًا أو أن إيران ترغب فيه بشدة، بينما تبدلت المواعيد بين أيام وأسابيع، وبقي الحسم دائمًا" قريبًا" دون أن يتحقق.
فالنتيجة ظلت واحدة: لا اتفاق.
ومع كل موعد لم يتحقق، بدت تصريحات ترمب أقرب إلى محاولة إبقاء المسار السياسي حيًا، وطمأنة الأسواق والحلفاء، والضغط على إسرائيل لتفادي تصعيد أوسع، أكثر من كونها وصفًا دقيقًا لما يجري خلف أبواب التفاوض.
في 23 مارس/ آذار الماضي، تحدث ترمب عن" نقاط اتفاق رئيسية" مع إيران، رغم نفي طهران وجود مفاوضات آنذاك.
وفي 24 مارس الفائت، قال: " أعتقد أننا سننهيها"، قبل أن يؤكد في اليوم التالي أن إيران تريد الاتفاق" بشدة"، ثم قال في 26 مارس إنها" تتوسل" لإبرامه.
وفي 29 من الشهر نفسه، وعندما سُئل عما إذا كان يتوقع اتفاقًا خلال الأسبوع التالي، أجاب بأنه يرى اتفاقًا قريبًا مع إيران، ثم عاد في 6 أبريل/ نيسان ليقول إن الطرفين كانا" قريبين جدًا" من التوصل إلى اتفاق قبل حدوث تراجع.
وبعد وقف إطلاق النار في 7 أبريل، رفع ترمب سقف التوقعات، مؤكدًا أن الطرفين قطعا شوطًا كبيرًا وأنهما يحتاجان إلى أسبوعين فقط حتى" يُنجز الاتفاق ويُستكمل".
وفي 15 أبريل، وصف الاتفاق بأنه" قريب جدًا من النهاية"، ثم قال في اليوم التالي إن فرص إبرامه تبدو" جيدة جدًا".
أما في 17 أبريل، فأطلق 3 تصريحات منفصلة قال فيها إن إيران" وافقت على كل شيء"، وإن الاتفاق قد يتم" خلال يوم أو يومين"، وإنه لا يرى" خلافات كبيرة كثيرة" بين الجانبين.
وفي 20 أبريل، عاد ليؤكد أن" كل شيء سيحدث بسرعة نسبية"، قبل أن يصف إيران في 30 أبريل بأنها" تتحرق شوقًا" للتوصل إلى اتفاق.
وخلال مايو/ أيار الماضي، استمر الخطاب نفسه، إذ تحدث في مطلع الشهر عن حرب" لن تطول"، ثم قال في 18 مايو إنه أرجأ ضربات عسكرية لمدة يومين أو 3 أيام بطلب من دول في الشرق الأوسط اعتقدت أن الاتفاق بات قريبًا.
وفي 19 مايو، توقع أن تنتهي الحرب" بسرعة كبيرة"، ثم قال في 23 مايو إن الإدارة" تقترب كثيرًا" من اتفاق وإن الصفقة" تم التفاوض عليها إلى حد بعيد" وستُعلن" قريبًا".
كما أكد في 28 مايو أن الأمور أصبحت" قريبة من اتفاق جيد جدًا".
وقبل يومين فقط، بدا وكأن مسار التفاوض يقترب من الانهيار مع تجدد القصف المتبادل بين إيران وإسرائيل، بعدما ردت طهران بوابل من الصواريخ الباليستية على إسرائيل عقب غارة إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت.
وردت إسرائيل لاحقًا بقصف منشأة بتروكيماويات ومنظومات دفاع جوي داخل إيران.
غير أن ترمب سارع إلى إعادة الحديث عن التهدئة، متحدثًا عن وقف فوري لإطلاق النار، ومؤكدًا لموقع" أكسيوس" أنه لا يريد أن تؤدي التطورات الميدانية إلى إفشال الاتفاق النهائي" الجيد والقريب جدًا".
وعاد الإثنين ليؤكد، خلال فعالية عبر الإنترنت لدعم السيناتور ليندسي غراهام، أنه يتوقع" انتصارًا كاملًا" خلال الأسبوعين المقبلين، مضيفًا أن الإيرانيين يريدون اتفاقًا جيدًا وأنهم" مستعدون لمنحنا كل شيء".
وتمنح قراءة نشرتها صحيفة" وول ستريت جورنال" هذه التطورات بعدًا ميدانيًا مختلفًا، إذ ترى أن الحرب والمفاوضات لم تدفعا إيران إلى التراجع، بل جعلتاها أكثر استعدادًا للمخاطرة، ووضعتا واشنطن في موقف دفاعي.
وبحسب الصحيفة، تراهن طهران على أن رغبة ترمب في حماية مسار الاتفاق ستدفع واشنطن إلى الضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كلما هدد التصعيد فرص التهدئة، بما يبقي جبهة لبنان حاضرة في حسابات أي مخرج دبلوماسي.
وترى الصحيفة أن إيران لم تعد تتحرك بالتحفظ نفسه الذي طبع سلوكها في السابق، إذ انتقلت من الاعتماد على حلفائها الإقليميين إلى استخدام قدراتها الصاروخية والطائرات المسيرة بصورة مباشرة لحماية نفوذها الإقليمي وتهديد المصالح الأميركية والإسرائيلية.
وتسعى طهران، وفق هذا التقدير، إلى منع واشنطن وإسرائيل من الخروج بإحساس" الانتصار الكامل"، وفرض معادلة جديدة تجعل التفاوض والعمل العسكري مسارين متوازيين.
وتعزز تصريحات المسؤولين الإيرانيين هذه المقاربة، إذ كتب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على منصة" إكس"، أن" الدبلوماسية والدفاع جناحا القوة الوطنية"، مؤكدًا أن إيران" لم تغادر الميدان ولم تترك طاولة التفاوض".
من جانبه، أوضح رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، أن طهران لا تتحرك بمنطق" إما الحرب أو التفاوض"، بل وفق معادلة تقوم على خوض الحرب في وقتها والتفاوض في وقته.
وقال إن التقدم في المفاوضات، إلى جانب العمليات العسكرية في الخليج والقصف الصاروخي لإسرائيل، أظهر أهمية فهم" هندسة ساحة المواجهة"، معتبرًا أن" قضية لبنان" أثبتت أن الجمع بين الدبلوماسية والعمل العسكري يمكن أن يدفع الخصوم إلى التراجع.
وأضاف أن إيران لا تخشى وقف المفاوضات إذا استدعت الظروف الرد بالقوة.
وفي السياق ذاته، قال رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام صادق آملي لاريجاني إن الهجوم الإيراني دفاعًا عن لبنان لم يكن مجرد رد عسكري، بل إعلانًا عن" عقيدة إستراتيجية" جديدة، تقوم على أن" أي اعتداء على أحد أضلاع محور المقاومة سيُقابل برد يتجاوز الحدود الجغرافية ويعيد رسم معادلات المنطقة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك