القاهرة ـ «القدس العربي»: «أنا مُعتقد يقيناً أن سيدنا مُحَمّد بُعث في شخص محمد نجيب، وأن جمال عبد الناصر هو أبو بكر الصديق، وعبد الحكيم عامر هو سيدنا عُمر، وصلاح سالم هو سيدنا علي».
(سليمان حافظ نائب رئيس مجلس الدولة وقت الانقلاب وتم اعتقاله عام 56)تمر هذه الأيام الذكرى الـ(59) لهزيمة يونيو/حزيران 1967، التي صدّرها إعلام (عبد الناصر)، وعلى رأسهم تابعه (هيكل) تحت مُسمى (النكسة).
والحديث عن هذه الأحداث بداية من انقلاب يوليو/تموز 1952 وتداعياته على حياة مصر والمصريين، لا يُعد حديثاً تاريخياً ـ نأمل أن يأتي الوقت الذي نعدّه كذلك ـ وإنما وجهة نظر في أحداث لم تزل مؤثرة في حياة المصريين حتى اللحظة الحاضرة، يتمثل ذلك في نظام الحكم ومؤسسات الدولة ودستورها.
في كتاب بعنوان «قراءة في مذكرات ضباط يوليو 1952» ـ مركز المحروسة للنشر ـ يتناول الكاتب الراحل طلعت رضوان استقراء بعض من هذه المذكرات، بعيداً عن الميديا التي رسّخت ــ ولم تزل ــ ترسّخ لهذا الانقلاب وتبعاته، وكأن مصر قبله لم تكن شيئاً يُذكر، ناهيك من دراويش أبو خالد الذين ذاقوا عذاب سجونه، لكنهم يتغنون هم وبعض نسلهم بزعيمهم الوهمي، الذي لم يدخل حرباً إلا خسرها! وهي حالة فصام متوارثة لا أمل في علاجها.
«هاجمت بعض الصحف والمجلات سلوك ضباط البوليس الحربي وفضحتهم، الأمر الذي أثار الخوف في نفوس بعض الضباط، وأحسّوا أن عودة الديمقراطية تعني نهايتهم، أو محاسبتهم على ما ارتكبوه من جرائم ومخالفات إلى جانب فقدانهم النفوذ والسلطان» (محمد نجيب.
كنتُ رئيساً لمصر).
كان نجيب مجرد واجهة ليس أكثر لعصبة الضباط، وبعد تأدية دوره المرسوم له تم اعتقاله حتى رحيله عام 1984، أي أن الرجل قضى فترة اعتقاله منذ أيام أبو خالد وحتى حسني مبارك!يُشير نجيب في مذكراته إلى عدة مواقف وقضايا تدين عُصبة الانقلاب، بداية من التخلص من معارضيهم داخل الجيش، بتلفيق قضايا وتعذيب الضباط، وكذا إنشاء خلايا سريّة داخل الجيش ـ اللعبة التي يجيدها تماماً عبد الناصر، ربما لم يُجد سواها ـ أشار نجيب في مذكراته إلى دور رجال الغستابو في تأسيس المخابرات المصرية، التي كانت تحت رحمة صلاح نصر، والتي كانت تقوم بدورها تحت عين المخابرات الأمريكية، التي كانت على وفاق تام مع عبد الناصر ونظامه، بغض النظر عن الموقف الدعائي المُعلن.
فعلى سبيل المثال.
كلف عبد الناصر رئيس اتحاد عمال النقل بتنظيم مظاهرة من العمال تهتف ضد الحياة النيابية، وكان من بين شعاراتهم (لا أحزاب ولا برلمان)، كما اشترك فيها جنود من البوليس الحربي وعمال مديرية التحرير مسلحون بالعصي، ويقول نجيب.
«جاءتني معلومات مؤكدة أن اتفاقاً قد تم بين الأمريكيين وبعض أعضاء مجلس (الثورة) على هذه المؤامرة».
ويرى طلعت رضوان أن محمد نجيب (1901 ــ 1984) رجل طيب، ولكنه مُحب للسُلطة، ورغم نقده للضباط ووصفه لهم بـ(الضباط الأشرار)، إلا أنه اشترك بدوره في الكثير من الجرائم، منها.
أنه الذي وقّع ترقية عبد الحكيم عامر من رتبة صاغ إلى لواء، وأن يكون قائداً عاماً للقوات المسلحة، إضافة إلى تصديقه على إعدام كل من خميس والبقري، شهيدي أحداث كفر الدوار.
وعن هذه الواقعة الفارقة يستشهد رضوان بما جاء في مذكرات إبراهيم طلعت أحد قيادات حزب الوفد، وكان صديقاً لعبد الناصر، الذي اعتقله أيضاً بعد ذلك، فقال له.
«يعني كان لازم تقعوا مع العمال في أول شهر لحركتكم؟ » ليرد عليه أبو خالد.
«المسألة كلها لفت نظر للناس اللي عاوزة تجهض الحركة، يعني شوية إجراءات شديدة في الأول علشان يعرفوا إننا صاحيين».
صدّر خالد محيي الدين (1922 ــ 2018) مذكراته تحت عنوان «الآن أتكلم»، والتي أصدرها عام 1992.
يُشير رضوان إلى أن هذه المذكرات، والتي خطّها صاحبها بعد أربعين سنة من انقلاب يوليو، تكتسب الكثير من المصداقية لعدة أسباب، منها.
تطابق أحداثها مع ما ذكره غيره من الضباط، وكذلك تتطابق مع ما ذكره بعض المؤرخين عن تلك الفترة.
ونكتفي بعدة مواقف ذكرها خالد محيي الدين، ربما لها العديد من الدلالات.
يعترف خالد بأنه كتب أهداف الضباط بخط يده، وفيها القضاء على الاستعمار، وذكر فيها (الاستعمار الأمريكي)، فاعترض عبد الناصر قائلاً، «هذا التعبير لا يستعمله إلا الشيوعيون».
كذلك كان عبد الناصر على علاقة وطيدة مع السفير الأمريكي (كافري) قبل الثورة، الذي كان يزهو أمام سفراء أوروبا، بأنه على علاقة خاصة بالضباط، ويصفهم بأنهم (أولاده).
واندهش عبد الناصر من وجود فدائيين في صفوف المقاومة بعد إلغاء معاهدة 1936، قائلاً.
«أنا أعرف الشيوعيين بتوع كلام، مش بتوع كفاح مسلح».
ونكتفي من مذكرات خالد محيي الدين بهذا الموقف أو الحادث.
«في المفاوضات مع الإنكليز للجلاء عن مصر، وافق عبد الناصر على الشرط الذي أصر عليه الإنكليز، وهو عودة القوات البريطانية إلى مصر، ذلك بحجة الهجوم على أي بلد عربي أو في حالة التهديد بالحرب ضد تركيا وإيران، وذلك أن تقف إنكلترا وأمريكا مع عبد الناصر ضد خصومه أثناء أزمة مارس/آذار 54، فوافق عبد الناصر».
(الآن أتكلم).
يقرأ طلعت رضوان مذكرات أحمد حمروش (1921 ــ 2011) الذي يُعد أحد اليساريين من الضباط، كذلك اعترافه باقتراف عصبة يوليو بعض الأخطاء.
إلا أن نفيه لبعض الاتهامات يكاد يثبتها أكثر من كونه نفياً لها، خاصة علاقة الانقلاب بالمخابرات الأمريكية، رغم ذلك ينقل حمروش في مذكراته ما كتبته «التايم» في أكتوبر/تشرين الأول 1951.
«الموقف في مصر أشبه بالموقف في اليونان عام 1947، حيث اضطرت إنكلترا سحب قواتها من اليونان، فحلت أمريكا محلها، وأمريكا أعدّت نفسها للموقف من زمن بعيد».
كما يذكر بأن أمريكا ركزت على مصر «فعينت كافري سفيراً لها في القاهرة وهو من أشهر مدبري الانقلابات في وزارة الخارجية الأمريكية، ويضم سجله سلسلة طويلة منها تقارب الثلاثين في أمريكا اللاتينية والوسطى».
كذلك رسالة (كيرميت روزفلت ضابط وكالة المخابرات المركزية) في تقريره لوزارة الخارجية الأمريكية في مايو/أيار 1952، التي قال فيها.
«إن الجيش سيقوم بانقلاب في وقت قريب، وأن قادة الانقلاب يرفعون شعارات تجعل منهم وهم في السلطة طرفاً ليناً ومرناً في أي مفاوضات نخوضها معهم»، كما ينصح الحكومة الأمريكية بـ»ضرورة إقصاء الملك فاروق والنظام الملكي نهائياً عن مصر، مع بعض الشكليات مثل إظهار القلق المُصطنع على سلامة الملك».
إلا أن حمروش رغم ذلك يُصر على تبرئة عصبة يوليو، فيقول.
«وإذا صح أن روزفلت قد وصل إلى هذه النتائج، فإن هذا لا يعني ارتباط تنظيم الضباط بالمسؤولين الأمريكيين ارتباطاً عضويا»! والشيء بالشيء يُذكر، كما ذكر مايلز كوبلاند في كتابه (لعبة الأمم).
«التقت المخابرات الأمريكية عبد الناصر وجماعته ثلاث مرّات قبل أربعة شهور في مارس 1952، واتفقت معه على إشاعة الشعور بين المصريين بأن انقلابهم ليس مفروضاً من الإنكليز أو الأمريكيين أو الفرنسيين أو الأتراك، وسمحت له بأن يُهاجم هذه الدول في خطبه بعد الانقلاب، ليبقى التعاون سراً بينه وبين المخابرات الأمريكية».
إلا أن حمروش ينفي هذا تماماً، ويرى فقط أن «علاقة الضباط بالأمريكيين تدل على اتساع دائرة معرفتهم وخبرتهم السياسية»! !

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك