هناك أسئلة لا تُطرح في الأروقة الدبلوماسية، لأن طرحها يمثل اتهاماً بالغ الخطورة، ودائماً وأبداً لم تكن السياسة الدولية مجالاً لحسن الظن، وإنما مسلك لقراءة المصالح وترجمتها، خاصةً حين تتعارض مع الروايات الرسمية، ومن هذا المنطلق تدور آلاف الأسئلة حول ما يجرى خلف الكواليس بين جناح في الحرس الثورى الإيرانى وواشنطن، وما سيفضى إليه هذا الارتباط غير المعلن من تحولات استراتيجية كبرى على حساب أمن الدول العربية، خاصة بعد تحييد البيت الأبيض عن الضربات الأخيرة.
ما يدلل على تلك الفرضية القريبة من اليقين، جملة من المؤشرات المتراكمة لا يمكن تجاهلها، وإن كانت كل قرينة منها بمفردها قابلة للتأويل، فإن مجموعها يرسم صورة تستوجب الحذر، خاصةً أن التوقف عند إصرار دونالد ترامب على توقيع اتفاق مع إيران يكشف مفارقة صارخة مصدرها رجلٌ قاد في ولايته الأولى أشرس حملة ضغط اقتصادى ضد طهران، وأصدر أمراً باغتيال قاسم سليمانى ورفيقه أبومهدى المهندس، كما حرض على اغتيال قادة حزب الله وحركة حماس، وانتهى الأمر بمشاركته في عملية اغتيال المرشد وقيادات الصفين الأول والثانى في الدولة، وسرعان ما انقلب على هذا النهج بالدفع نحو مسار تفاوضي وصفه بعض المبررين بأنه حاجة تاريخية، فما الذى تغيّر؟
على مدار الأسابيع الماضية، تشبث المبررون ببراجماتية الحزب الجمهورى والرغبة في إتمام صفقات كبرى تُلمّع إرث الحزب، وتجعل الشعب الأمريكي يتجاوز عن إخفاقات ممثله في البيت الأبيض، وهذا صحيح بالقطع لكنه لا يكفي لتفسير حجم التنازلات التي قدّمها المفاوض الأمريكي في بنود الاتفاق، سيما فيما يخص ملفي البرنامج النووى وتوقيت رفع العقوبات، فضلاً عن برنامج الصواريخ الباليستية وملف مضيق هرمز، لأن هذه التنازلات -إنْ استمرت- تُشكّل مدخلاً آخر للتحليل، فمن الناحية التفاوضية المجردة، لا يُفسر التخلى عن مطالب جوهرية كانت في وقت من الأوقات ثوابت أمريكية إلا بوجود ما يُعوِّض عنها خارج إطار الاتفاق المعلن، فالمفاوضون والدبلوماسيون يعرفون أن أى طاولة تفاوض تُخفي تحتها طاولة أخرى غير مرئية، وكلما كانت التنازلات العلنية كبيرة، عادةً ما تكون المقايضات أكبر، والسؤال هنا يجب أن يتلخص حول طبيعة وحجم التنازلات الأمريكية، والأسباب الدافعة والمقابل الذى ستحصل عليه.
البحث عن الطرف المستفيد داخلياً في إيران يقودنا إلى معادلة الحرس الثورى، فطبيعة التنظيم داخل تلك المؤسسة محكومة بتناقضات وخلافات جمة، نظراً لأنها تضم في أروقتها مركباً من تيارات ومصالح وحسابات مختلفة، ودائماً ما كان تاريخها مفعماً بصراعات داخلية صامتة، فهناك جناح يرتبط ارتباطاً عضوياً بالاقتصاد النفعى، الذى يتحكم في شبكات التهريب والعقود وميناء بندر عباس وخطوط الشحن الموازية، وهذا الجناح يرى في الانفتاح الاقتصادى فرصة توسعية لنفوذه قبل أن يراه انتصاراً أيديولوجياً، ومن ثم لا يحتاج هذا الجناح إلى توجيهات خارجية لكى تتقاطع مصالحه مع من يسعى إلى صياغة واقع إقليمى جديد، خاصة إذا كان المكسب الوحيد هو الاعتراف بالسيادة الإيرانية على مضيق هرمز.
يكتسب ملف المضيق دلالة بالغة على الصعيدين الجيوسياسى والأمنى، بعد أن بات إغلاقه أداةً إيرانية مستحدثة، لكن استمرارها في لحظة التفاوض الأمريكي الإيرانى يبدو تناقضاً لافتاً للوهلة الأولى، فمن المفترض أن من يتطلع لاتفاق يسعى للحد من التوترات ولا يُضخّمها، إلا أن التناقض يتبخر إذا قُرئ المشهد بعينٍ ناقدة، فالاستمرار في استخدام المضيق كورقة ضغط يحوله إلى ورقة تفاوضية إضافية، وفي الوقت نفسه يتسبب في أضرار تراكمية للاقتصادات الخليجية المرتبطة بالتصدير النفطى والتجارة البحرية، والخاسر الأكبر موضوعياً ليس الغرب، الذى يملك مصادر طاقة بديلة ومرونة اقتصادية أعلى، بل هو الكويت والإمارات والسعودية وقطر، التي تتنفس عبر ذلك المضيق.
هنا تتقاطع خيوط المشهد مع حلقة جغرافية أوسع تمتد من مضيق هرمز شمالاً إلى جنوبى لبنان وسوريا، تستهدف إعادة رسم البنية الديموجرافية والأمنية في هذه المناطق كلها في آنٍ واحد، وإن اتخذت كل حالة شكلاً مختلفاً، ففي جنوب لبنان يجرى رسم خرائط جديدة لمناطق النفوذ بعد تراجع قدرات حزب الله، دون إنهاء الوجود التنظيمى للحزب ووصول إسرائيل إلى ما بعد الليطانى، وفي جنوب سوريا تتشابك مصالح فاعلين متعددين في مساحة تمثل قلباً حيوياً في أى تغيير إقليمى مستقبلى، ولا يعنى التزامن بين هذه الحلقات وجود مخطط مركزى واحد، لكنه يفرض سؤالاً مشروعاً حول منطق التنسيق الضمنى، فالأجهزة المعلوماتية لا تعمل دائماً بأوامر صريحة، وكثيراً ما تكتفي بتهيئة ظروف تدفع الأطراف الأخرى نحو سلوكيات تخدم أهدافاً مشتركة دون أن تُقرّ بأى منها علناً.
لا يمكن للدول العربية الاستمرار في التعامل مع المشهد الراهن من منطلق إدارة التهديدات المعتادة، فالتهديد هذه المرة ليس حرباً تقليدية أو ضربة صاروخية مرسومة المعالم، وإنما إعادة تشكيل بطيئة ومتدرجة للواقع الأمنى والديموجرافي والاقتصادى، بأدوات تشبه الضغط الخفي أكثر مما تشبه الاجتياح المعلن، وهذا النوع من التهديدات هو الأشد صعوبة في المواجهة، لأنه يتهرب من التصنيف ويتخفي في ثياب التفاوض والدبلوماسية، وبالطبع سيظهر من يشكك في مضمون تلك الرؤية مدعياً المبالغة وبناء خرائط على قرائن متناثرة، رغم أن ما نطرحه فرضية تحليلية تستند إلى تحركات موثقة وليست تخمينات، وهى فرضية تبقى قابلة للمراجعة إذا أثبت مسار الأحداث أن التنازلات الأمريكية لم تُفضِ إلى تمكين إيرانى في المنطقة المحيطة بالخليج.
الانتظار في الحالة الراهنة ترف لا تملكه الدول التي تقع في مربع الاستهداف، لأن الرهان على حسن النوايا في عالم تحكمه المصالح ليس حكمة دبلوماسية، وبالتالى فإن الواجب يقتضى طرح الأسئلة الصعبة الآن، حتى لو أزعج طرحها بعض الحلفاء، فضلاً عن ضرورة القفز من حالة السكون والارتهان إلى مربع الفعل الاستراتيجى المنسق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك