روسيا اليوم - سكان مدينة مصرية يستيقظون على زوار غير مألوفين.. ثعالب تتجول بين العمارات روسيا اليوم - ترامب: من يملك القوة ينتصر وسنحصل على نصف نفط إيران إذا ساعدنا على إعادة إعمارها العربي الجديد - اليمن: تصعيد احتجاجي في حضرموت للمطالبة بحلول لأزمة الكهرباء القدس العربي - اتهامات بالاستغلال ومطالب بالمساءلة أزمة فيلم «عائشة لا تستطيع الطيران» تتصاعد بين بطلته وصُنّاعه قناة الشرق للأخبار - مساء الشرق - ترمب: إيران أسقطت إحدى طائراتنا الأباتشي وسنرد على الهجوم العربية نت - ترامب: هجوم إسرائيل على إيران لم يكن ضرورياً الليوان - كيد البنات ولع المدرسة العربي الجديد - توقيع اتفاقية الدعم السعودي لتوريد الوقود لمحطات الكهرباء في اليمن قناه الحدث - ترامب: طلبت من نتنياهو عدم عرقلة مفاوضات إيران بالهجوم الأخير قناة الشرق للأخبار - دائرة الشرق - مخاوف من "فقدان السيطرة" على AI - مع ميراشا غازي بتاريخ 9/6/2026
عامة

النساء اللواتي يؤجلن سقوط العالم

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة

قبل أن أعرفَ معنى الطبخ، كنت أعرف رائحة القمح.بعد الحصاد كانت جدتي تجمع النساء حول قدر هائل من القمح. كان يبدو لعيني الطفلة، التي كنتها آنذاك، كغرفة صغيرة امتلأت بالماء والحبوب والشمس. كانت النساء ي...

قبل أن أعرفَ معنى الطبخ، كنت أعرف رائحة القمح.

بعد الحصاد كانت جدتي تجمع النساء حول قدر هائل من القمح.

كان يبدو لعيني الطفلة، التي كنتها آنذاك، كغرفة صغيرة امتلأت بالماء والحبوب والشمس.

كانت النساء يحرّكنه بخشبة طويلة بإيقاع بطيء، كأنّهن لا يحرّكن القمح بل يحرّكن الوقت نفسه.

وحين تنضج الحبّات، كانت تُحمل إلى السطح وتُفرش تحت الشمس.

هناك يبدأ دوري أنا وابنة خالي.

كانت جدتي تغسل أقدامنا جيّداً، ثم تطلب منا أن نمشي فوق القمح ونحرّكه بأقدامنا الصغيرة.

كانت الحبّات ما تزال دافئة، وما إن تطأها أقدامنا حتى تنفرج حولها وتعود فتلتئم.

إلى اليوم لا أعرف كيف أصف ذلك الإحساس؛ لم يكن مجرّد دغدغة، بل طمأنينة تمشي من الأرض إلى الجسد.

وحين أبحث عن أوّل صورة للأمان في حياتي، لا أتذكّر بيتاً، ولا سريراً، بل أتذكّر قدميّ الصغيرتين فوق القمح، وجدتي تُراقبنا من بعيد كأنّ الخوف لم يُخلق بعد.

بعد جدتي جاءت أمي.

وحين أفكّر فيها اليوم لا أتذكّر وجهها أولاً، بل أتذكّر يديها وهي تغسل العدس، وتنقي الحمص، وتعجن الخبز.

كان أبي يملك ذلك الكرم الريفي الذي لا يعرف الحساب.

مواردنا محدودة، لكن الضيوف كانوا يأتون دائماً.

وحين كانت أمي تسأله: ماذا أطبخ؟ كان يجيبها: " ما بعرف.

اخترعي".

ولسنوات طويلة ظننت أنّ الطعام اختراع فعلاً.

ثم كبرت واكتشفت أنّ أمي لم تكن تخترع الغداء، بل كانت تخترع شعورنا بأنّ كلّ شيء ما زال بخير.

لم تكن أمي تخترع الغداء، بل كانت تخترع شعورنا بأنّ كلّ شيء ما زال بخيرأنا أتذكّر أمي برائحة النعناع.

يكفي أن أفرك أوراقه اليابسة بين أصابعي حتى أراها واقفة قرب الطاولة، وضوء العصر ينساب على وجهها المُتعب من الحصاد وقطف الفول وتنقية الشوائب من العدس والحمص.

وكانت المجدّرة ضيفة دائمة في طفولتنا.

لم تكن أمي تُقدّمها لنا كطبق للفقراء، بل كطبق للأقوياء.

كانت تضع الصحون أمامنا وتقول: " كلوا.

هاي مسامير الركب".

وكنت أصدّقها، بل ما زلت أصدّقها حتى اليوم.

ثم فهمت أنّ النساء لا يطبخن لأنّ العائلة جائعة فقط، بل لأنّ في داخل كلّ بيت جوعاً آخر لا يُرى؛ جوعاً إلى الطمأنينة.

وحين كبرت، وجدت نفسي أفعل ما كانت تفعله النساء اللواتي سبقنني.

كلّما تشقّق شيء في داخلي، ذهبت إلى المطبخ.

كأنّني لم أرث عنهن وصفات الطعام فقط، بل ورثت أيضاً هذه الحيلة القديمة لمقاومة الحزن.

النساء لا يطبخن لأنّ العائلة جائعة فقط، بل لأنّ في داخل كلّ بيت جوعاً آخر لا يُرى؛ جوعاً إلى الطمأنينةولم أكن أعرف أنّ السنوات التي قضيتها أراقب النساء حول النار كانت تدريباً سرّياً على يوم سيأتي، يوم لن يبق فيه ما يكفي من الطعام، لكن سيبقى علينا مع ذلك أن نُطعم الأمل.

في الأيّام الأولى من حصار السويداء لجأنا إلى قرية الغارية الجنوبية في محافظة السويداء جنوبي سورية، عند أصدقاء لنا.

كنّا أربع عائلات وأطفالاً كثيرين وخوفاً أكثر ممّا ينبغي.

هناك بدأت الأشياء تختفي: الفاكهة والخضار والكهرباء.

وفي أحد الأيّام لم يبق لدينا إلا بعض العدس وبقايا أرغفة بدأ العفن يمدّ أصابعه إليها.

خبّأت الأرغفة عن الأنظار، وقصصت الأجزاء المُتعفّنة منها، ثم قطّعتها إلى مكعبات صغيرة ورششت فوقها ما توفّر من بهارات.

كنت أحاول أن أخفي طعم العفن، لكنني كنت أحاول أيضاً أن أخفي شعوراً أكثر مرارة منه: العجز.

أما العدس فكان يغلي بهدوء فوق النار.

شوربة متواضعة، لكنّها يومها كانت تساوي العالم كلّه.

وحين بدأت قطع الخبز تتحمّر في الزيت، ارتفعت رائحة دافئة تشبه الأيّام العادية التي لا ننتبه إلى جمالها إلا حين نفقدها.

كنت أرى الحصار، أما هو فكان يرى احتمالاً صغيراً للفرحوفي تلك اللحظة جاء وطن؛ طفل لم يكمل عامه الرابع بعد.

شعره أسود فاحم، وعيناه واسعتان.

وقف أمام المقلاة طويلاً، ثم نظر إليّ وقال بفرح حقيقي: " خالتو.

عبتعملي كيك؟ ".

إلى اليوم لا أعرف ماذا أبكاني أكثر: الجوع أم البراءة.

أنا كنت أرى خبزاً نجا بصعوبة من العفن، أما هو فكان يرى كعكة.

أنا كنت أرى الحصار، أما هو فكان يرى احتمالاً صغيراً للفرح.

ضممته إلى صدري ووعدته أنني سأصنع له كيكاً حين تنتهي هذه الأيّام.

وكانت دموعي تنزل فوق شعره الأسود وأنا أتكلّم.

وفي تلك اللحظة فهمت أنّنا نحن الكبار ننظر إلى ما فقدناه، أمّا وطن فكان ينظر إلى ما بقي.

ومنذ ذلك اليوم، كلّما وضعت قدراً على النار، أفكّر في جدتي وأمي ووطن.

أفكّر أنّ العالم لم يبق قابلاً للحياة لأنّ الحروب كانت أضعف، بل لأن النساء كنّ أقوى.

ففي كلّ مرّة كان الخراب يقترب من الباب، كانت امرأة ما تغسل العدس أو تعجن الخبز، أو تقلّب قدراً متواضعاً فوق النار، وتؤجّل سقوط العالم يوماً إضافياً.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك