قبل أيّام، ظهرت محامية على شاشة أردنية محلية وقدّمت، بقدر صادم من الصراحة، ما اعتبره كثيرون تبريرًا لقتل النساء والفتيات بذريعة ما يُسمّى الشرف، مع تأكيدنا أنّه لا شرف في الجريمة.
مع أنّها استدركت قائلةً إنّ ما طرحته كان رأيًا شخصيًّا، لكن الخطورة تبدأ تحديدًا من هذه العبارة.
فحين يظهر شخص بصفة مهنية أمام جمهور واسع، وخصوصًا في برنامج يُفترض أن يقدّم نقاشًا عامًّا مسؤولًا، لا يعود الكلام مجرّد رأي عابر، بل يصبح جزءًا من المجال العام، ومن اللغة التي قد يستند إليها البعض لتخفيف فداحة الجريمة، أو إعادة إنتاج سلطة اجتماعية قاتلة تحت غطاء العرف أو الغضب أو السمعة.
لا ينبغي التعامل مع ما حدث بوصفه زلة إعلامية أو تصريحًا مُثيرًا للجدل انتهى بانتهاء الحلقة.
نحن أمام لحظة كاشفة عن الخيط الرفيع الذي يفصل بين حرية الرأي وبين تطبيع العنف، فليست كلّ الآراء متساوية عندما يكون موضوعها حياة إنسان وكرامته وسلامته.
فهنالك رأي يمكن مناقشته، وهناك خطاب يمنح العنف لغة ومُبرّرًا ومكانًا على الشاشة.
مع أنّ الضيف الآخر في البرنامج قد حاول، مشكورًا، تفنيد الفكرة من منظور ديني وأخلاقي وقانوني، مؤكّدًا أنّه لا يجوز قتل أيّ إنسان تحت أيّ مُبرّر، لكنّ وجود صوت رافض لا يكفي وحده لمعالجة الخلل.
ففي قضايا العنف ضدّ النساء والأطفال لا يجوز أن يوضع التبرير والرفض جنبًا إلى جنب كما لو أنّهما رأيان متقابلان في مناظرة عادية.
حين يُطرح تبرير القتل على الهواء، لا ينبغي أن تكون استجابة الإعلام مجرّد إدارة حوار، بل مُساءلة واضحة وحازمة للخطاب نفسه: قانونيًّا، وأخلاقيًّا، ومهنيًّا، وإنسانيًّا.
سنوات من العمل على تفكيك ثقافة العنف وتبريرها يمكن أن تهتز أمام دقائق قليلة على شاشة تبحث عن الجدل أو الترندما آلمني في هذه الحادثة لم يكن فجاجة التصريح وحدها، بل معرفتي بحجم العمل الهادئ والصعب الذي يقوم به الكثيرون لتعزيز منظومة الحماية من العنف الأسري.
أعمل مع فريق رائع على جزئيات من هذا الملف الشائك، وأعرف أنّ التغيير في هذا المجال لا يحدث بشعار، ولا ببيان، ولا بورشة تدريب أو حملة توعية عابرة.
إنّه عمل تراكمي طويل، يقوم على تعزيز التشريعات، وبناء الثقة، وتطوير الإجراءات، وتحسين الاستجابة المؤسسية، وتغيير المفاهيم الاجتماعية، وتأكيد أنّ العنف ليس شأنًا عائليًّا خاصًّا، ولا حقًّا تأديبيًّا، ولا دفاعًا عن الشرف، بل انتهاك صارخ لحقّ الإنسان في الحياة والسلامة والكرامة.
ولهذا تبدو مثل هذه اللحظات الإعلامية خطيرة إلى هذا الحدّ.
فسنوات من العمل على تفكيك ثقافة العنف وتبريرها يمكن أن تهتزّ أمام دقائق قليلة على شاشة تبحث عن الجدل أو الترند.
الخطاب الذي يبرّر العنف لا يخاطب فراغًا.
إنه يصل إلى جمهور ما زالت بعض قطاعاته، للأسف، تتعامل مع النساء والأطفال بوصفهم موضوعًا لسلطة العائلة والمجتمع لا أصحاب حقوق كاملة.
وحين يسمع هذا الجمهور تبريرًا للعنف من شخص يحمل صفة مهنية، وفي مساحة إعلامية عامة، فإنّ الرسالة لا تُفهم بأنها رأي شخصي، بل قد تُفهم غطاء اجتماعيًّا أو حتى قانونيًّا وأخلاقيًّا لسلوك خطير.
في قضايا العنف الأسري، ليست وظيفة الإعلام أن يساوي بين خطاب الحماية وخطاب العنفهنا لا تكون مسؤولية الإعلام أخلاقية فقط، بل وقائية أيضًا.
فالبرنامج الذي يناقش قضايا تمسّ حياة الناس لا يستطيع أن يختبئ خلف فكرة نحن نعرض كلّ الآراء.
في قضايا العنف الأسري، ليست وظيفة الإعلام أن يساوي بين خطاب الحماية وخطاب العنف، ولا أن يحوّل حياة النساء إلى مادة سجال تجاري.
مسؤوليته أن يفتح نقاشًا واعيًا، وأن يختار ضيوفه بعناية، وأن يضع حدودًا مهنية واضحة لما يمكن اعتباره رأيًا مشروعًا، وما يجب التعامل معه بوصفه خطاب كراهية خطيرًا يعزّز بيئة العنف.
إنّ مكافحة العنف ضدّ النساء والأطفال ليست معركة قانونية فقط، بل معركة على المعنى أيضًا.
هل نسمّي الجريمة جريمة، أم نمنحها أسماء مُخفّفة؟ هل نحمي الضحايا والناجين، أم نُعيد محاكمتهم في الفضاء العام؟ هل نقف مع سيادة القانون، أم نترك السلطة الأبوية لتُعيد تعريف العدالة وفق منطق السيطرة والخوف؟في النهاية، لا تبدأ المدافعة ضدّ العنف من بوابات وحدات الحماية فقط.
قد تبدأ من المنبر والاستوديو، ومن سؤال المذيع، ومن سياسة التحرير، ومن اختيار الضيف، ومن قرار واضح بألا تُمنح اللغة التي تبرّر العنف منبرًا بلا مُساءلة.
بعض الكلام، حين يصدر من منبر عام، وبصفة مهنية، لا يبقى داخل الاستوديو؛ قد يتحوّل إلى رسالة تصل إلى بيت مأزوم، أو عائلة غاضبة، أو شخص يبحث عن مبرّر لما لا يمكن تبريره، وهنا يصبح الخطاب نفسه عامل خطر تعمل منظومة الحماية على تفكيكه والحدّ من أثره.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك