في واحدة من أبرز الخطوات المرتقبة لإعادة هيكلة منظومة الحماية الاجتماعية في مصر، تتجه الحكومة نحو تنفيذ تصور جديد للدعم التمويني يقوم على منح المواطنين قدرا أكبر من الحرية في اختيار احتياجاتهم الأساسية، عبر التحول من الدعم العيني التقليدي إلى نظام دعم نقدي مشروط يعتمد على" محفظة سلعية مالية" مرتبطة بالبطاقة التموينية.
ويأتي هذا التوجه في إطار مساعي الدولة لتطوير منظومة الدعم وضمان وصوله إلى مستحقيه بصورة أكثر كفاءة وعدالة، مع الحفاظ على القوة الشرائية للأسر المستفيدة في مواجهة التغيرات الاقتصادية وتقلبات الأسعار.
وفي هذا الصدد، قال وزير التموين والتجارة الداخلية، الدكتور شريف فاروق، إن الدولة لا تتجه إلى إلغاء الدعم، وإنما تعمل على تطوير آليات تقديمه بما يضمن وصوله إلى مستحقيه بكفاءة أكبر، مؤكدا أن المواطن سيظل قادرا على الحصول على الخبز المدعم ضمن المنظومة الجديدة.
وأضاف الوزير- خلال تصريحات له، أن فلسفة الدعم النقدي المشروط تستهدف تعظيم استفادة المواطن من قيمة الدعم المخصصة له، من خلال إعادة هيكلة بعض حلقات تداول الدعم، بما في ذلك المخابز والمطاحن، بما يضمن توجيه الجزء الأكبر من الدعم مباشرة إلى المستفيد النهائي وتحقيق أعلى عائد اجتماعي منه.
والتصور الحكومي الجديد يقوم على تحويل الدعم العيني الحالي إلى محفظة إلكترونية داخل البطاقة التموينية، يتم احتساب قيمتها وفق التكلفة الفعلية التي تتحملها الدولة لتوفير السلع الأساسية والخبز المدعم، بما يمنح المواطن مرونة واسعة في توجيه مخصصات الدعم بحسب احتياجات أسرته الفعلية.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن النظام الجديد يستهدف دمج مكونات الدعم المختلفة، والتي تشمل دعم الخبز والسلع التموينية وفارق نقاط الخبز، في إطار موحد يتيح للمستفيد استخدام قيمة الدعم المتاحة له في شراء ما يحتاج إليه من السلع الغذائية أو الخبز دون التقيد بكميات أو أصناف محددة سلفا.
وأوضحت المصادر أن الدراسات الأولية التي تجريها الحكومة تشير إلى أن قيمة الدعم الفعلية الموجهة للفرد قد تصل إلى نحو 325 جنيها شهريا، وهي قيمة تعكس التكلفة الحقيقية التي تتحملها الدولة حاليا لدعم الخبز والسلع التموينية.
ووفقا للتقديرات المطروحة، فإن نصيب الفرد من دعم الخبز وحده يقترب من 225 جنيها شهريا، استنادا إلى تكلفة إنتاج 150 رغيفا مدعما، فيما تتحمل الدولة نحو 100 جنيه أخرى لدعم السلع التموينية الأساسية، ليصل إجمالي الدعم إلى نحو 325 جنيها شهريا للفرد.
وأشارت المصادر إلى أن الحكومة تدرس تقسيم المستفيدين إلى أربع شرائح مختلفة، بحيث تتفاوت قيمة الدعم وفقا للمعايير التي سيتم الإعلان عنها لاحقا، وهو ما قد يؤدي إلى اختلاف قيمة الدعم بين شريحة وأخرى بحسب طبيعة الاستحقاق.
حرية الاختيار بدلا من السلع الثابتةوبموجب النظام المقترح، لن يكون المواطن ملزما بالحصول على سلع محددة كما هو الحال في المنظومة الحالية، بل سيحصل على رصيد دعم إلكتروني يمكنه استخدامه بحرية في شراء الخبز أو السلع الغذائية المختلفة وفق احتياجاته الشهرية.
ووفق التصور الجديد، يستطيع المواطن تخصيص كامل قيمة الدعم لشراء الخبز إذا كانت احتياجات أسرته تعتمد بشكل أساسي عليه، أو توجيه المبلغ بالكامل لشراء السلع الغذائية، أو توزيع الرصيد بين الخبز والسلع بالنسب التي تتناسب مع نمط استهلاكه.
وسيتم التعامل وفق الأسعار الحرة المعلنة للسلع، بما في ذلك الخبز الذي تقترب تكلفته الحقيقية من 1.
5 جنيه للرغيف، إضافة إلى الزيت والسكر والأرز والمكرونة والبقوليات وغيرها من السلع الأساسية.
استمرار منافذ الصرف الحاليةوأكدت المصادر أن تطبيق المنظومة الجديدة لن يغير من آليات صرف السلع للمواطنين، حيث ستستمر عمليات التوزيع من خلال منافذ البدالين التموينيين ومشروع" جمعيتي" والمجمعات الاستهلاكية، مع استمرار اعتماد تلك المنافذ على مخازن الشركات التابعة لوزارة التموين والتجارة الداخلية في توفير السلع.
ويهدف هذا الإجراء إلى ضمان استقرار الأسواق والحفاظ على توافر السلع الأساسية ومنع أي ممارسات احتكارية أو زيادات غير مبررة في الأسعار.
آليات لمواجهة تقلبات الأسعاروفيما يتعلق بإمكانية ارتفاع أسعار السلع الأساسية مستقبلا، أوضحت المصادر أن الحكومة تضع آليات للتعامل مع أي تغيرات مفاجئة في الأسواق، بحيث يتم الحفاظ على الأسعار المرجعية التي جرى على أساسها تقييم الدعم لفترة زمنية مرتبطة بالعقود المبرمة لتوفير السلع.
وأضافت أنه بعد انتهاء تلك العقود، وفي حال حدوث زيادات كبيرة في الأسعار، فإن الدولة قد تتدخل عبر إعادة تقييم قيمة الدعم الممنوح للمواطنين وزيادته بما يضمن الحفاظ على قدرتهم الشرائية وعدم تأثر مستويات الحماية الاجتماعية.
دعم نقدي مشروط وليس أموالا نقديةوشددت المصادر على أن التحول إلى الدعم النقدي المشروط لا يعني صرف مبالغ مالية مباشرة للمواطنين، وإنما يقتصر على تحويل قيمة الدعم إلى رصيد إلكتروني مخصص حصريًا لشراء الخبز والسلع الغذائية الأساسية.
ويستهدف هذا النموذج الحفاظ على توجيه الدعم نحو الأغراض التي خصص من أجلها، مع منح المستفيدين مساحة أكبر من الحرية في إدارة احتياجاتهم الاستهلاكية.
وأكدت المصادر أن الحكومة تعتزم طرح التصور الجديد للنقاش العام خلال الفترة المقبلة من خلال مؤتمر موسع يضم الجهات المعنية والخبراء والمتخصصين والإعلاميين، بهدف مناقشة مختلف جوانب المنظومة والاستماع إلى المقترحات والملاحظات قبل اتخاذ أي خطوات تنفيذية.
ويعكس هذا التوجه حرص الدولة على بناء توافق مجتمعي حول أحد أهم ملفات الحماية الاجتماعية، خاصة أن منظومة الدعم التمويني تمس ملايين الأسر المصرية بشكل مباشر.
ومن جانبه، يقول الدكتور على الإدريسي، الخبير الاقتصادي، إن التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي المشروط يعد من أبرز خطوات إصلاح منظومة الدعم في مصر خلال السنوات الأخيرة، لأنه يمنح المواطن حرية أكبر في تحديد أولوياته الاستهلاكية، ويحد من التشوهات التي تنتج عن تسعير السلع بأسعار مختلفة عن قيمتها الحقيقية في السوق، كما أن دمج دعم الخبز والسلع التموينية داخل محفظة إلكترونية واحدة قد يسهم في رفع كفاءة الإنفاق الحكومي وضمان وصول الدعم بصورة أكثر عدالة إلى المستحقينوأضاف الإدريسي- خلال تصريحات لـ" صدى البلد"، أن نجاح هذه المنظومة سيظل مرتبطا بعدة عوامل أساسية، في مقدمتها دقة تحديد الفئات المستحقة، وتحديث قواعد البيانات بشكل مستمر، إلى جانب وجود آلية مرنة لمراجعة قيمة الدعم دوريا بما يتناسب مع معدلات التضخم وتحركات أسعار السلع الأساسية.
بين الإصلاح والحماية الاجتماعيةوالجدير بالذكر، أن نجاح المنظومة الجديدة سيعتمد على قدرتها في تحقيق التوازن بين هدفين رئيسيين؛ أولهما تعزيز كفاءة الإنفاق الحكومي والقضاء على التشوهات الناتجة عن تعدد أسعار السلع المدعومة، وثانيهما الحفاظ على مستوى الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجا وضمان عدم تآكل قيمة الدعم مع مرور الوقت.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك