صنعاء- «القدس العربي»: وسط موجة حرّ خانقة وتدهورٍ حاد في الخدمات الأساسية، لا سيما قطاع الكهرباء، اندلعت احتجاجات شعبية غاضبة في عدن ومدينتي المكلا وسيئون في محافظة حضرموت.
وفي محاولة رسمية عاجلة لتهدئة هذا الغضب واحتواء التصعيد، أكّد رئيس مجلس الوزراء في الحكومة المُعترف بها دوليًا، شايع الزنداني، أن حكومته «لن تُدس رأسها في الرمال» ولن تتجاهل مسؤولياتها تجاه المواطنين.
وتتالت ردود الفعل الحكومية، أمس الثلاثاء، لاحتواء السخط الشعبي وامتصاص غضب الشارع، الذي عبّر عن نفسه بوضوح، الإثنين، في إقدام محتجين على إغلاق عدد من الشوارع الرئيسية والطرق الحيوية، وأشعلوا النيران في الإطارات المطاطية.
وندد المتظاهرون بالوضع المأساوي الناجم عن الانقطاع المتكرر للكهرباء لساعات طويلة تصل إلى 16 ساعة انقطاع في اليوم، في مدن ساحلية وصحراوية تلامس فيها درجات الحرارة حاجز الأربعين درجة مئوية.
ووثقت تقارير إعلامية محلية حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها المواطنون يومياً هناك جراء الانقطاع شبه المستمر للكهرباء لساعات طويلة.
ففي عدن، وصل الأمر ببعض السكان إلى حد المبيت في الشوارع والأماكن المفتوحة هرباً من الحرارة الخانقة داخل المنازل التي تخلو من أجهزة التكييف.
وفي موازاة ذلك، سجّلت محافظة حضرموت مؤشرات مقلقة، حيث تحدث مواطنون لقنوات تلفزيونية محلية عن تفاقم الحالات المرضية، خاصة بين كبار السن والأطفال، نتيجة الجمع القاسي بين الارتفاع القياسي في درجات الحرارة وانقطاع التيار الكهربائي.
وفي ظل تدهور الوضع الانساني، تصدّرت مطالب المحتجين العاجلة للحكومة، ضرورة التدخل الفوري لمعالجة أزمة الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها توفير التيار الكهربائي بشكل مستقر.
وبينما أكّدت إدارة الشرطة في عدن متابعتها الدقيقة لحالة الاستياء الشعبي، ترأس عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت، سالم محمد الخنبشي، اجتماعًا طارئًا في المكلا لبحث سُبل معالجة الأزمة.
وفي خطوة ملموسة، أعلنت المؤسسة العامة للكهرباء بدء تنفيذ المرحلة الأولى من المنحة السعودية لمشتقات البترول، اعتبارًا من اليوم، في مسعى لتخفيف معاناة المواطنين اليومية واستعادة الثقة في أداء الحكومة التي لم يمض على تسلم مهامها سوى ثلاثة شهور.
وتجلى استشعار الحكومة لمخاطر سخط الشارع في تصريحات رئيس مجلس الوزراء في الحكومة المعترف بها دوليًا، شائع الزنداني، الذي أوضح فيها أن قضية الكهرباء على رأس أولويات حكومته، التي قال إنها تعمل جادة من أجل إيجاد حلول مستدامة.
وأشار إلى أن حكومته تعمل وفق رؤية شاملة تشمل حلولاإسعافية عاجلة لمواجهة صيف هذا العام، بالتوازي مع تنفيذ مشاريع وصفها بالاستراتيجية للتوليد والنقل والتوزيع، بما في ذلك الطاقة الشمسية، وإنشاء محطة غازية بقدرة 1000 ميغاواط بالشراكة مع القطاع الخاص.
وكانت المملكة العربية السعودية أعلنت قبل أيام قليلة عن منحة وقود ومستحقّات نفطية جديدة لليمن بقيمة 150 مليون دولار، مخصصة بالكامل لتشغيل محطات توليد الكهرباء.
وقال رئيس الوزراء، في تصريحات صحافية، أعادت نشرها وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) بنسختها الحكومية: «إن عملية توفير الوقود ليست كافية لمحطات لم تعد تعمل بكفاءة نظراً لانتهاء العمر الافتراضي لأغلبها، وحاجتها للمزيد من أعمال الصيانة، وهو ما تنفذه وزارة الكهرباء حالياً».
وأضاف «أن مشكلة الكهرباء ليست وليدة اللحظة، لكنها مشكلة مزمنة تعود لسنوات عديدة، وقد شهدت المدن والمحافظات اليمنيّة طلباً متزايداً على الطاقة، في ظل التوسع العمراني».
وأردف أن جميع المحطات لو عملت بطاقتها الكاملة لا يمكنها أن تلبي ارتفاع الأحمال التي تزيد بثلاثة أضعاف عن الطاقة المتاحة.
وأشار إلى أن الجهود تتركز في كيفية مواجهة مشكلة الكهرباء وتوفير الأموال للصيانة وإدخال محطات إسعافية لزيادة التوليد.
فيما أعلنت وزارة الكهرباء والطاقة، في بيان، أنها في صدد تنفيذ مرحلة أولى عاجلة من المنحة السعودية، ستبدأ من اليوم الثلاثاء، وترتفع تدريجيًا خلال الأسبوعين القادمين بما يضمن استمرار تشغيل محطات التوليد والمحافظة على الخدمة الكهربائية حتى نهاية العام الجاري.
وأشارت إلى أنها «تابعت باهتمام بالغ الاحتجاجات السلمية التي شهدتها العاصمة المؤقتة عدن ومحافظة حضرموت على خلفية التحديات التي تواجه خدمة الكهرباء خلال موسم الصيف الحالي».
وقالت، مطمئنة المواطنين في عدن وحضرموت، إن هناك إجراءات عملية يجري تنفيذها على عدة مسارات متوازية تشمل تأمين الوقود، ورفع الجاهزية الفنية للمحطات، وتعزيز القدرات التوليدية.
وفي بيان، أكدت إدارة الأمن في عدن «تفهمها الكامل لحجم المعاناة التي يعيشها سكان عدن، وتدرك مشروعية المطالب المرتبطة بتحسين الخدمات وتخفيف الأعباء عن المواطنين».
وبينما شددت على «احترامها لحق التعبير السلمي عن الرأي والمطالب في إطار القانون»، دعت في الوقت ذاته «إلى التحلي بالمسؤولية الوطنية والحفاظ على الطابع السلمي لأي احتجاجات أو تجمعات».
وأعربت «عن أسفها للحادثة التي أدت إلى إصابة أحد المواطنين المحتجين خلال الأحداث التي رافقت إغلاق الطرق المؤدية من وإلى جولة السفينة»، مؤكدة «أن الجهات المختصة تتابع ملابسات الواقعة».
وحذّرت من «أن أي خروج عن الطابع السلمي للاحتجاجات من شأنه أن يفرغ المطالب المشروعة من مضمونها».
وكان المكتب التنفيذي لمحافظة عدن قد عقد اجتماعًا رمى فيه بالمسؤولية على كنف الحكومة، وطالبها بمعالجة أسباب أزمة الكهرباء بشكل جذري، أو منح السلطة المحلية في عدن الصلاحيات الكاملة، والإيرادات المركزية اللازمة التي تمكنها من تنفيذ واجباتها وتلبية احتياجات المواطنين.
وأشار الاجتماع إلى جملة مما اعتبرها «العراقيل التي تُسهم في تفاقم الأزمة»، من بينها، وفق بيان الاجتماع، بطء إجراءات البنك المركزي وزارة المالية، والتقطعات التي تتعرض لها قاطرات نقل النفط الخام في الأطراف قبيل وصولها إلى العاصمة عدن.
وفيما يتعلق بالحلول العاجلة، طالب المحافظ، عبد الرحمن شيخ، مجلس القيادة الرئاسي والحكومة بتوفير سفينة توليد عائمة بقدرة 200 ميجاوات كحد أدنى وخلال مدة شهر، إلى جانب تشكيل لجنة اقتصادية تتولى دراسة الإشكاليات كاملة.
وفي حضرموت، التي اتسعت فيها حالة الاستياء الشعبي، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي، محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، بمدينة المكلا مع عدد من وكلا المحافظة ومديري فرعي شركة النفط اليمنية في ساحل ووادي حضرموت، ما اعتبرها البيان «التحديات التي تواجه قطاعي الكهرباء والطاقة في المحافظة، في ظل الارتفاع الكبير في درجات الحرارة والرطوبة خلال فصل الصيف، والعجز القائم في كميات الوقود وشح المشتقات النفطية المتوفرة».
وفي رسالة احتواء وطمأنة للشارع، أكّد البيان «أن السلطة المحلية بمحافظة حضرموت تضع ملف الكهرباء ضمن أولوياتها القصوى»، مشيرًا إلى «تنفيذ حلول إسعافية عاجلة ومشاريع استراتيجية مستدامة تسهم في تعزيز المنظومة الكهربائية».
وتطرّق إلى أن المحافظة شهدت، يوم الأحد الماضي، توقيع اتفاقية محطة طاقة شمسية بقدرة 50 ميجاوات في هضبة القطن بمديريات وادي وصحراء حضرموت.
وأشار إلى «استكمال إجراءات وصول وتشغيل المحطات الكهربائية الإسعافية المخصصة لساحل ووادي حضرموت، والتي تبلغ قدرتها الإنتاجية الإجمالية 200 ميجاوات، وذلك برعاية ودعم وتنسيق من البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن».
وكان مدير المؤسسة العامة للكهرباء بساحل حضرموت، مازن بن مخاشن، قد أوضح أن الارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة أدى إلى زيادة قياسية في الطلب على الطاقة، حيث بلغت القدرة المطلوبة نحو 390 ميجاوات، في حين يبلغ متوسط القدرة التوليدية الحالية قرابة 150 ميغاوات، بالإضافة إلى شح توفر المشتقات النفطية مقارنة بالاحتياج الفعلي من الوقود.
وفي خضم هذا الاحتقان، لم يتردد المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في ركوب موجة الغضب الشعبي، محملاً الحكومة المعترف بها دوليًا المسؤولية المباشرة عما آلت إليه الأوضاع.
ودعا البيان الصادر عنه مَن سمّاهم «جماهير شعب الجنوب» في عدن والمحافظات الجنوبية إلى الخروج الشعبي، لإيصال رسالة مفادها رفض استمرار المعاناة، ورفض تحويل الحقوق الأساسية إلى «أدوات ابتزاز أو عقاب أو مساومة سياسية»، على حد قوله.
وتبقى مشكلة الكهرباء في مناطق نفوذ الحكومة مرتبطة بعوامل أبرزها تهالك المحطات القائمة وتفاقم وضع الفساد، مقابل عدم الاعتراف المبكر بالمشكلة، وتأخر العمل على برنامج تحديث متكامل يشمل قطاع الكهرباء والطاقة على صعيد كل من: المحطات والعمل على تأهيلها من جانب وتوسيع مجال الاستثمار من جانب آخر في مصادر الطاقة المختلفة بما يغطي العجز القائم، والهيكل البشري والإداري بما يضمن تعزيز الكفاءة، والأنظمة بما يضمن تعزيز الشفافية والحوكمة، وصولاإلى سد كافة فجوات الاختلالات الراهنة والفساد المستشري، ويعزز من مأسسة هذا القطاع الخدمي الهام، وفق مراقبين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك