لندن ـ باريس ـ «القدس العربي»: بعد المواجهة الأخيرة بين إيران وإسرائيل ودعم طهران للمقاومة في لبنان رداً على استهداف ضاحية بيروت، وسط سيناريوهات قاتمة أو متشائمة في لبنان، قالت صحيفة «لوموند» الفرنسية إنه في نظر وسائل الإعلام والمعارضة الإسرائيلية، تواجه الدولة العبرية أيامًا حاسمة، تتجاوز بكثير مصير بنيامين نتنياهو الشخصي أو حتى طبيعة العلاقات مع الحليف الأمريكي التاريخي.
بينما رأى العميد السابق في الجيش اللبناني ورئيس المحكمة العسكرية السابق منير شحادة أن السيناريو الأكثر ترجيحاً في لبنان هو أن يحصل تراجع نسبي للقتال مع بقاء احتمالات التصعيد والانفجار قائمة في أي لحظة.
وقال المحلل السياسي قاسم قصير إن الأمور تحتاج بعض الوقت لتتبلور الصورة والمشهد في الأيام المقبلة.
وأشارت الصحيفة الفرنسية إلى تصريح المراسل العسكري لصحيفة «معاريف»، آفي أشكنازي، الذي حدد من خلال نبرة الصحافة الإسرائيلية الاثنين 8 حزيران/يونيو، بعد أن استهدفت إيران إسرائيل بوابل من الصواريخ مساء الأحد، ما أدى إلى رد عسكري إسرائيلي وتبادل جديد لإطلاق النار صباحًا، قبل أن يعود الهدوء تحت ضغط دونالد ترامب.
قال الصحافي: «يجب ألا تتردد إسرائيل.
لا ينبغي لها أن تقبل بالإملاءات الأمريكية التي تفرض عليها البقاء مكتوفة الأيدي وعدم الرد.
إذا ترددت إسرائيل، فستنتهي اللعبة بالنسبة لها في المنطقة.
وستصبح بمثابة ممسحة لكل الشرق الأوسط.
وإذا أوقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سلاح الجو الإسرائيلي، فعليه أن يبدأ بالتوقف عند مقر إقامة الرئيس إسحاق هرتسوغ لتقديم استقالته».
وذكرت الصحيفة الإسرائيلية اليمينية أن «الإيرانيين لم يتجاوزوا مجرد خط أحمر، بل حاولوا فرض قواعد جديدة للعبة في المستقبل».
وترى وسائل الإعلام أن هذه الأيام حاسمة لمستقبل إسرائيل، بما يتجاوز مصير نتنياهو أو علاقاتها مع الولايات المتحدة.
ويُستخدم تعبير «معادلة جديدة» لوصف الوضع، حيث اختارت إيران استهداف إسرائيل مباشرة دفاعًا عن حليفها حزب الله اللبناني، بعد تعرض أحد معاقله في بيروت لضربة.
وقال الصحافي ألموغ بوكر على القناة 12: «يجب على إسرائيل شن هجوم واسع ومتزامن على إيران وبيروت.
إذا لم يحدث ذلك، فسيؤدي إلى تراجعنا سنوات إلى الوراء، والأهم أنه سيخلق واقعًا جديدًا تتمكن فيه إيران من تهديدنا بعد كل ضربة في لبنان، بينما يواصل حزب الله إطلاق النار على قواتنا».
في مقال نُشر مساء الأحد على موقع «واي نت»، شدد تساحي هنغبي، المستشار السابق للأمن لدى نتنياهو، على قوة إيران المتجددة بعد وقف إطلاق النار في 8 نيسان/أبريل، الذي أنهى خمسة أسابيع من المواجهات المباشرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
المحلل السياسي قاسم قصير: على رئيسي الجمهورية والحكومة التراجع عن موقفهما تجاه طهران وتقدير دعمهاوقال: «سلسلة التصريحات الصادرة من البيت الأبيض في الأشهر الأخيرة يبدو أنها عززت فقط قناعة القادة الإيرانيين بأن من يصرخ في واشنطن لا يعض في الشرق الأوسط».
وأضاف: «بعد عام بالضبط من الضربات الإسرائيلية ضد إيران في يونيو 2025، تُظهر طهران بوضوح أنها ليست مردوعة ولا مهزومة، وأنها لا تستسلم.
يجب أن يكون رد إسرائيل قاسيًا ومؤلمًا.
وعلى الولايات المتحدة أن تفهم أن ذلك أمر لا مفر منه.
وإذا كانت هناك بالفعل تنسيق وثيق مع إدارة ترامب، فهذا هو وقت الاختبار الحقيقي».
وتابعت «لوموند» القول إنه لا يتم تجاهل البعد التكتيكي أو الشخصي أو الانتخابي لدى رئيس الحكومة، مع اقتراب انتخابات تشريعية صعبة في سبتمبر أو أكتوبر.
وأشار عاموس هرئيل في صحيفة «هآرتس» اليسارية إلى أن «نتنياهو سعى باستمرار إلى إعادة إشعال الحرب، معبرًا عن شكوكه في أن الاتفاق الجاري التفاوض بشأنه بين الأمريكيين وإيران سيكبح البرنامج النووي الإيراني أو يلبي التوقعات الإسرائيلية».
لكن معظم المعلقين يرون أن المصالح الاستراتيجية لإسرائيل تختلف عن تلك الخاصة بالولايات المتحدة في هذه المرحلة، خاصة مع سياسة دونالد ترامب التفاوضية مع إيران.
وقال الصحافي أميت سيغال: «ما الذي جعل طهران جريئة بما يكفي لضرب إسرائيل مباشرة؟الجواب هو ترامب.
شهران من إظهار الضعف والهوس الأعمى بإبرام اتفاق أوصلانا إلى هذه اللحظة».
وورد تحليل مشابه في صحيفة «إسرائيل هيوم» اليمينية، حيث كُتب أن قادة الجيش وسكان الشمال ضغطوا على نتنياهو لتغيير الوضع جذريًا، حتى لو أدى ذلك إلى توتر مع ترامب، لكنه فضّل الحفاظ على التحالف مع الرئيس الأمريكي، رغم ما تعرض له من «إهانة شخصية» خلال مكالمة بينهما الأسبوع الماضي، حين طلب منه ترامب عدم ضرب بيروت.
وتتوافق تغطية وسائل الإعلام مع موقف سياسي شبه موحد يدعو إلى عدم تقييد حرية الجيش في مواجهة إيران وحزب الله، رغم مطالبة ترامب بوقف فوري للقتال.
وكانت مواقف اليمين المتطرف الأكثر تشددًا، حيث كتب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير: «يجب أن تحترق طهران الليلة! ».
أما وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، فاقترح ضرب 20 إلى 30 مبنى في الضاحية الجنوبية لبيروت مقابل كل صاروخ إيراني يُطلق على إسرائيل.
من جهتها، تسعى المعارضة لاستغلال الخلافات العلنية بين ترامب ونتنياهو، في سيناريو يذكّر بحرب «الاثني عشر يومًا» في يونيو 2025، التي انتهت بوقف إطلاق نار فرضه ترامب، وكذلك بهدن أخرى في شهر أبريل وغزة في شهر أكتوبر عام 2025.
وقال غادي آيزنكوت، الرئيس السابق للأركان: «الردع الإسرائيلي وصل إلى أحد أدنى مستوياته».
كما دعا أفيغدور ليبرمان إلى ردود قوية قائلاً: «كفى سياسة الاحتواء، يجب أن نضرب البنية التحتية الاستراتيجية لإيران فورًا».
حتى اليسار، ممثلابيائير غولان، انتقد نتنياهو قائلاً: «أعداؤنا يرون ما يراه الجميع: رغم النجاحات العسكرية، فإن نتنياهو قائد ضعيف وفاشل».
المحلل السياسي اللبناني قاسم قصير رأى أن الأمور تحتاج الى بعض الوقت للتظهر أمور عديدة في لبنان بخصوص محاولات وقف النار والدعم الإيراني العسكري الكبير الأخير لـ«حزب الله» ولبنان وضرباتها المؤلمة الأخيرة لإسرائيل، مشدداً على أهمية الدعم الإيراني العسكري والمعنوي للبنان في هذه الظروف الصعب التي يجتازها ودعا رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجي الى أن يقدموا الاعتذار للجمهورية الإسلامية الإيرانية بسبب الحملات ضدها وان يشكروها لأنها ساهمت في لجم العدوان الإسرائيلي على لبنان وان يعيدوا الاعتراف بدور السفير الإيراني كي يمارس مهماته الدبلوماسية الكاملة.
وحول تقديره للموقف الآن قال قصير «علينا الانتظار بعض الوقت… وإذا تم وقف إطلاق نار شامل نكون أمام متغيرات سريعة».
سيناريوهات الحرب ووقف الناروفي حديث لـ«القدس العربي» مع العميد المتقاعد منير شحادة قال إنه في ظل التطورات المتسارعة خلال الساعات والأيام الأخيرة، ولا سيما بعد الضربة الإسرائيلية للضاحية الجنوبية وما تبعها من رد إيراني مباشر على إسرائيل، يمكن تقديم قراءة سياسية واستراتيجية على الشكل التالي:أولاً رداً على سؤال: كيف نقيِّم موقف إيران والمقاومة اليوم؟«لوموند»: تساؤلات ومخاوف في إسرائيل بعد تدخل إيران عسكرياً وضرباتها لـ«شمال إسرائيل»قال شحادة إن إيران وجدت نفسها أمام اختبار كبير لمصداقية معادلة كانت قد أعلنتها سابقاً: «أن استهداف الضاحية الجنوبية أو توسيع العدوان على لبنان لن يمر من دون رد».
ولذلك جاء الرد الإيراني المباشر بعد استهداف الضاحية ليحمل رسالة سياسية أكثر من كونه محاولة لتحقيق إنجاز عسكري حاسم.
لكن في المقابل، فإن المشهد يكشف حقيقة أخرى: «إيران لا تبدو راغبة بحرب إقليمية شاملة… لذا فإن الردود الإيرانية ما زالت محسوبة السقف».
وأكد أن الأولوية الإيرانية الحالية هي صمود محور المقاومة و إظهار وحدة الساحات، لا الذهاب إلى مواجهة مفتوحة قد تستنزف الجميع.
أما المقاومة في لبنان، فهي تواجه معضلة مزدوجة:-المحافظة على قدرتها الردعية.
-تجنب الانجرار إلى حرب شاملة في لحظة إقليمية ودولية معقدة.
لذلك يمكن القول إن محور المقاومة أظهر صموداً وتماسكاً، لكنه أيضاً لا يمتلك حرية المبادرة التي امتلكها في مراحل سابقة.
ورداً على سؤال «القدس العربي»: هل تحمي إيران الجنوب اللبناني؟قال: هنا يجب التفريق بين مستويين:نعم، إيران تعتبر أن الجنوب اللبناني جزء أساسي من منظومة الردع الإقليمية الخاصة بها.
فمنذ عقود استثمرت طهران في بناء قوة حزب الله العسكرية والسياسية باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة إسرائيل.
لذلك فإن سقوط المقاومة أو إنهاء دورها في الجنوب يشكل ضربة استراتيجية لإيران نفسها.
2- الحماية الميدانية المباشرةهنا الصورة مختلفة.
فالوقائع خلال الأشهر الأخيرة أظهرت أن الجنوب تعرض لآلاف الغارات والعمليات العسكرية الإسرائيلية، مع استمرار النزوح والدمار الواسع، رغم الدعم الإيراني للمقاومة.
فإسرائيل نفذت آلاف الضربات خلال فترات التهدئة نفسها.
بمعنى آخر: إيران تساعد على صمود المقاومة، لكنها لا تستطيع أن تمنع كل غارة أو تحمي كل قرية أو كل منزل في الجنوب.
وعن تقدير الموقف في لبنان قال: إذا أردنا قراءة الاتجاه العام للأحداث، فإننا أمام أربع حقائق:الحقيقة الأولى: إسرائيل تحاول فرض معادلة جديدة في لبنان تقوم على حرية العمل العسكري حتى أثناء التفاوض والتهدئة وإرساء معادلة ردعية ان شمال إسرائيل مقابل الضاحية.
الحقيقة الثانية: إيران تربط أي تسوية أوسع في المنطقة بوضع لبنان، وتحاول منع فرض شروط إسرائيلية كاملة على حزب الله.
الحقيقة الثالثة: الدولة اللبنانية تسعى إلى وقف الحرب بأي ثمن و بتنازلات إلى حد الإستسلام تقريباً بسبب الكلفة الاقتصادية والبشرية الهائلة.
الحقيقة الرابعة: لا إسرائيل استطاعت القضاء على المقاومة، ولا المقاومة استطاعت إجبار إسرائيل على وقف عملياتها بالكامل.
ولهذا تستمر حالة (اللاحسم) حتى الآن.
■ هل تنتهي الحرب في الجنوب؟□ الجواب الأقرب للواقع: نعم، يمكن أن تتوقف المعارك الواسعة، لكن من المبكر الحديث عن نهاية كاملة للحرب.
هناك مسار تفاوضي أمريكي مستمر بين لبنان وإسرائيل إنهار بمجرد رفض «حزب الله» بنود الإتفاق الذي أعلنت عنه وزارة الخارجية الأمريكية، لتعود المفاوضات لتصبح بيد دولة الرئيس بري الذي وضع شروطاً جديدة و اليوم كان هناك زيارة للسفير الأمريكي في لبنان لمناقشة هذه الشروط واعداً ان إسرائيل ستنسحب و ستزقف العدوان و ستسلم الأسرى، كما توجد محاولات متكررة لتثبيت وقف إطلاق النار وتوسيعه.
لكن العقبات كبيرة: إسرائيل تشترط ترتيبات أمنية جديدة.
و«حزب الله» يرفض كثيراً من الشروط المطروحة… وإيران تعتبر أن مستقبل لبنان جزء من أي تسوية إقليمية أشمل.
لذلك فالسيناريو الأكثر ترجيحاً حالياً هو: «تراجع نسبي للقتال، مع بقاء احتمالات التصعيد والانفجار قائمة في أي لحظة».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك