القدس العربي - طبيعة الاحتلال الراهن في غزة ولبنان وكالة سبوتنيك - كأس العالم 2026...جدول المباريات ومواعيد الأدوار الإقصائية حتى النهائي قناة الجزيرة مباشر - The Hour's Debate - Iran's Equation Regarding the Ongoing Israeli Escalation in Lebanon الجزيرة نت - هل يكون مونديال 2026 بداية نهاية كأس العالم بتاريخها المعروف؟ القدس العربي - في معركة القدرة على الردع بين طهران وتل أبيب القدس العربي - مبادرات السلام السُّودانية… رؤية من الداخل قناة الغد - قبل ساعات من الافتتاح.. احتجاجات المعلمين تطوق ملعب المونديال بالمكسيك قناة الغد - أميركا تسمح للاعبي إيران بدخول البلاد قبل يوم من المباريات قناه الحدث - طهران تبلغ الوسطاء أن الحادث نتج عن التوترات الميدانية فرانس 24 - العميد التونسي حسام الدين الجبابلي لفرانس 24 : 27 ألف مهاجر عادوا طوعًا إلى بلدانهم
عامة

مسلسل «ليلة الجريمة»

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

من المسلسلات التي حظيت باستقبال جماهيري ونقدي لافت مسلسل «ليلة الجريمة» The Night Of 2016، حيث يمكن قراءة هذا الاهتمام بداعي عدة عوامل؛ أهمها محاولة قراءة تداعيات أحداث 11 سبتمبر/أيلول، وأثرها على الم...

من المسلسلات التي حظيت باستقبال جماهيري ونقدي لافت مسلسل «ليلة الجريمة» The Night Of 2016، حيث يمكن قراءة هذا الاهتمام بداعي عدة عوامل؛ أهمها محاولة قراءة تداعيات أحداث 11 سبتمبر/أيلول، وأثرها على المسلمين الأمريكيين، بالتوازي مع نقد النظام القضائي، كما النماذج الاجتماعية والثقافية، يضاف إلى ما سبق الأداء المتميز للممثلين ريز أحمد في دور الشاب الباكستاني «ناصر»، وكذلك الممثل المخضرم جون تورتورو في دور المحامي «جيسون ستون»، علاوة على البنية المكثفة والمختزلة للمسلسل، الذي جاء في حلقات محدودة.

نهضت الحبكة على فاعلية حدث الجريمة التي تعد ممارسة عادية في سائر المجتمعات، غير أن الجريمة حين يُتهم بها شاب جامعي من أصول باكستانية، تتحول إلى ظاهرة متصلة بسياق مختلف، ولاسيما بعد أحداث نيويورك، وما نتج بعد ذلك من انبعاث موجات عنف تجاه المسلمين؛ فالشاب الذي يُتهم بالجريمة يقوم بليلة ما بسرقة سيارة والده للأجرة من أجل حضور حفلة، فتعلق به فتاة لتوصيلها، ولكنها سرعان ما تقوده إلى منزلها لتقدم له بعض المخدرات، ويقيم علاقة معها، ليستيقظ، ويجدها مقتولة بعدد كبير من الطعنات، فيضطر إلى الهرب.

وعلى الرغم من تقاطعات الجريمة وحساسيتها، فإن الفعل يتحول إلى قضية تُدار بوعي الأحكام المسبقة، والانتقام بداعي كراهية المسلمين، حيث تنساق الشرطة والمحقق والمجتمع إلى اتهام الشاب مباشرة، أو الحكم عليه تبعاً لوقائع سياقية مثل: الوجه، والعرق، في حين يتجاهل اللاوعي الكامن للمجتمع، وأفراد الشرطة، بمن فيهم المحقق والمدعي العام والقاضي الدلائل الأخرى؛ ومن ذلك الأشخاص الذين لديهم دوافع، أو حيثيات قد تربطهم بالجريمة.

يتعزز هذا حين يشير الفيلم إلى الهجوم على بعض المراكز الإسلامية بهدف بيان كراهية المسلمين، كما في مشهد الكتابة على الحائط عبارة: «ارحلوا أيها المسلمون»، وبجانبها الصليب المعقوف إشارة النازية، أو عندما يتعرض الشاب عينه للسخرية والتنمر من قبل السجناء في السجن أو المدرسة، بيد أن هذا يأتي على خلفية تصوير الأحياء التي ينتمي إليها المهاجرون، من الباكستانيين والصينيين وغيرهم، بوصفها نماذج ثقافية تكمن في عمق المجتمع الأمريكي.

يتأسس المسلسل على تفكيك أنساق التمييز القائمة على البشرة واللون والعرق، إذ يكشف منذ بدايته عن سيطرة التنميط والأفكار المسبقة، كما المجانسة بين الأعراق، ومن ذلك الاعتقاد بأن الشاب من أصل عربي، ومن هنا يذهب الفيلم للبحث في تكوين سؤال الهوية التي تُختزل إلى مرجعيات أصولية، بالتجاور مع الأفكار المسبقة، التي تنهض على افتراض العنف الكامن، أو الجريمة في الأعراق الأخرى.

ويتعزز العداء، كما ممارسة الأحكام القطيعة تجاه الشاب الباكستاني، حين نعلم أن الضحية فتاة تنتمي إلى طبقة راقية ذات بشرة بيضاء في الثانية والعشرين من العمر، وبناء على ذلك تتشكل شكوك بانتماء الشاب لجماعات إرهابية، فضلاً عن الطعن في ولائه لمواطنته الأمريكية، على الرغم من أنه من مواليد الولايات المتحدة الأمريكية، ولم يذهب يوماً إلى باكستان، ومع ذلك فإن وجهه يؤطره في خانة الإجرام.

غير أن المفارقة تكمن في ملامح الشاب البريئة والهادئة، التي شكلت معضلة في وجه المؤسسة القضائية التي اعتمدت على الصورة النمطية للمجرم، ومن هنا فإن محاولة المحقق إزالة جهاز استنشاق الربو من مسرح الجريمة، يستهدف نزع أحد صور التعاطف من قبل المحلفين، أو القاضي عند البدء في المحاكمة.

تبرز معضلة الوجه في السجن حيث يتعرض لتنمر من قبل السجناء الآخرين، ولاسيما من ذوي البشرة السمراء، أو من ذوي الأصول اللاتينية، في حين لا نجد في السجن رجلاً أبيض من باب المفارقة.

يضطر ناصر للمقاومة عبر إبراز القوة، فيعمل على تقوية جسده، وتعاطي المخدرات، كما وشم جسمه، ناهيك عن تقديم خدمات للسجين النافذ من أصل افريقي أمريكي «فريدي نايت» مقابل أن يتولى الدفاع عنه، من منطلق أن هذا الرجل يؤمن ببراءة ناز بداعي نظرة البراءة التي تسكن وجهه وعينيه على عكس الآخرين من السجناء.

تتجلى قراءة المسلسل من خلال «الوجه» بوصفه إحالة ثقافية واجتماعية، حيث يمكن ربط ذلك بتصورات «إرفنغ غوفمان» حول الوصم؛ ومقولة الوجه ودلالته في سياقات معينة، فوجه الشاب يتحول إلى علامة اجتماعية وسياسية، فيُقرأ بوصفه «إرهابياً» قبل أن يُنظر إليه بوصفه إنساناً، وقد يراه البعض بريئاً تبعاً لملامحه البريئة، ومن هنا تنخرط المؤسسة والنظام الاجتماعي إلى تثبيت هذه التصورات انطلاقاً من تاريخ ما بعد أحداث نيويورك، حيث يصبح الاشتباه قائماً على المظهر أو الوجه لا على الفعل أو ماهية الإنسان.

في السياق عينه يبرز المسلسل شخصية المحامي جيسون المصاب بمرض جلدي تظهر آثاره على قدميه وأحياناً على وجهه، وبذلك يسعى المسلسل إلى تكريس ظاهرة الوصم، ومعنى التحديق، غير أن هذا المحامي الذي يلتقط موكليه من مراكز الشرطة يصادف وجه «ناصر» في مركز الشرطة، فيرى فيه شخصاً بريئاً وحيداً، في حين يمكن قراءة خلفية هذا المحامي بوصفه مخالفاً للنمط الثقافي السائد، فهو متزوج من امرأة افريقية أمريكية، وابنه ذو ملامح افريقية، كما أنه لا يخجل من مرضه، فيرتدي الصندل، ويقوم بحك قدمه بعصا يحملها، غير عابئ بالآخرين، كما نراه يأكل طعاماً شرق أوسطياً، مثل الفلافل، في حين يستبعد مبدئياً من المحاكمة بداعٍ طبقي، كما تواضع موقعه المهني، ومن هنا تكمن قيمة هذه الشخصية في عمقها، فالمحامي غير معني بمنطق الوصم، أو الخضوع لسلطة النظرة الاجتماعية، أو أنه متحرر نسبياً من الصور النمطية تجاه الثقافات الأخرى، مع القدرة على تجاوز الحدود الرمزية التي يصنعها المجتمع بين «الأنا» و«الآخر»، كونه لا يتعامل مع الآخر من موقع اللون أو التصنيف العرقي، وإنما من موقع إنساني أكثر انفتاحاً.

يمكن ربط شخصية المحامي ضمن مجالين، ومن ذلك دلالة القط الذي كان ينتمي إلى الفتاة التي قُتلت، فبعد وفاتها يصبح وحيداً، فيأخذه المحامي، ويرسله إلى ملجأ الحيوانات كي يحتفظوا به لمدة عشرة أيام قبل أن يقتل بالغاز، في حال لم يجد من يتبناه، غير أن دلالة هشاشة التفكير الإنساني تبدو من خلال ظاهرة الوصم، كما تتضح من كلام الموظف في الملجأ، حين يشير إلى أن الناس يفضلون القطة الجميلة، ولا يرغبون في قط بشع أو غير ذي سلالة.

كما يمكن أن يقرأ حضور القط البرتقالي كونه يعني استكمالاً لنسق النبذ، كما هي شخصيات «ناصر» والمحامي جيسون، الذي يعرف نفسه أو يذكر بنفسه بوصفه صاحب القدمين المصابتين.

كما يمكن قراءة خلفية شخصية المحامي بتكونيها المغاير بوصفها دافعاً لأن يتولى القضية، غير أنه يُقصى عنها لمحاولة استغلال شركة محاماة كبرى القضية بهدف التربح والدعاية، ولكنه سرعان ما يعود إلى المشاركة في القضية، بعد رفض ناصر الاعتراف بالذنب، بالتعاون مع محامية أخرى هندية يوظفها مكتب المحاماة للإفادة من وجهها، وأثره الثقافي والاجتماعي في سياق الجريمة التي أصبحت قضية رأي عام.

تكشف السجون في الفيلم عن بنية عنصرية واضحة، إذ إن أغلب المسجونين من الأمريكيين الأفارقة والمكسيكيين، والمسلمين بما يعكس خللاً طبقياً وعرقياً واجتماعياً داخل النظام القضائي، ففي داخل بنية السجن تظهر حوارات مع «فريدي نايت» المثقف كونه حاصلاً على شهادة جامعية، حيث ينصح ناصر بقراءة كتاب «فن الحرب» عند دخول السجن، في حين يهديه عند الخروج رواية «نداء البرية» لجاك لندن.

ولعل حضور هذه الشخصية يكشف عن خلل اجتماعي من ناحية تخليق الجريمة بداعي ممارسات المجتمع تجاه الأعراق الأخرى، كما يتعزز ذلك في نقد بنية الواقع الثقافي للمسجونين، وتأتي الإشارة إلى ذلك عبر سؤال أحد المسجونين: «هل تعرف أين يقع قطاع غزة؟ » ومن هنا فإن تكريس الجهل يعزز تدني مكانة الفئات الأخرى.

ولعل الإشكالية لا تكمن بالتحيز ضمن النظام القضائي فحسب، وإنما تأثره بضغط الإعلام، حيث يطلب القاضي التسريع بالعلمية للتخلص من الكاميرات، كما أن هذا النظام يسعى إلى تجنب الوصول إلى المحكمة والتوصل إلى صفقة اعتراف بسبب التكلفة، وبسبب حساسية القضايا التي تتصل بالعرق، من الملحوظات المهمة في جلسات الاعتراف صعوبة الحسم، فالشاب لا يستطيع أن يعترف بالجريمة كونه كان غير واعٍ بما حصل في تلك الساعات، ما يضع المتلقي في حيرة من براءته المطلقة، وهنا تكمن قيمة المسلسل، أما بخصوص هيئة المحلفين فيجب ألا يكونوا متدينين، أو مسلمين، أو كبار سن، أو المتضررين من أحداث 11 سبتمبر، أو لاعبي غولف، أو محامين، أو من الطبقة العاملة… ما يكشف أن المحاكمة لا تقوم على القانون وحده، وإنما على شبكة من التوقعات والتحيزات الاجتماعية والثقافية.

ومن القضايا التي يمكن إثارتها دلالة المظهر، حيث تؤدي الملابس دوراً كبيراً في التأثير على هيئة المحلفين، مثل ارتداء ناصر اللون الأخضر، وليس البرتقالي، كما الشعر القصير، وهكذا فالمظهر ليس تفصيلاً ثانوياً بمقدار ما يبدو جزءاً من إدارة صورة المحكمة أو تكوين الوصم أو إعادة تشكيله، في حين أن الفكرة تكمن في حق المحاكمة كما يذهب المحامي، حيث يقول لكل شخص الحق في الدفاع عن نفسه بغض النظر عن أي شيء، ولاسيما بعد أن تسأله إحدى الطالبات في: «هل ستدافع عن هتلر إذا كنت محامياً؟ » فيقول: «نعم»، غير أنها سرعان ما تقول له إن هتلر قتل جدّيها.

يكشف هذا المشهد عن سؤال أخلاقي عميق حول معنى العدالة، وحدود الدفاع، وحق المتهم في أن يجد من يدافع عنه مهما كان حجم الكراهية الموجهة إليه.

اعتمد العمل على عدد من الاستراتيجيات الإخراجية، ومن ذلك الإضاءة التي تميل إلى اللون الداكن والرمادي، وتتجلى فاعلية الظلال في المشهد الذي يجمع الشاب الباكستاني بالمحامي، حيث ينقسم وجهاهما بين الضوء والعتمة للإحالة إلى الحجب، وعدم الحسم تجاه تصديق كل منهما للآخر، كما قد يعني الارتباط بين الشخصيتين اللتين تنتميان إلى فضاء الإقصاء أو الوصم.

ينتهي المسلسل ببراءة «ناصر» بعد فشل هيئة المحلفين في التوصل لحكم نهائي، ورفض إعادة المحاكمة، غير أن التجربة جعلت ناصر معطوباً، حيث تقوض عالمه بداعي الحظ العاثر، ووجهه، وعرقه، فيقف في مشهد على ضفة النهر يتناول المخدرات، وفي مشهد أخير نرى المحامي ستون الذي تصالح مع مرضه الجلدي يشاهد برنامجاً على التلفزيون عن الرفق بالحيوان، بينما القط البرتقالي يسير في منزله بعد أن استعاده من الملجأ، وكل ذلك على خلفية أغنية The First Time Ever I Saw Your Face التي تنتهي بكلمة «وجهك» التي انتقلت من معناها العاطفي في الأغنية لتكون جزءاً من ثقافة الوصم، والإدانة القاتمة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك