تكشف الإجراءات الجديدة التي فرضتها الأجهزة الأمنية في إيران على المواطنين لاستعادة خدمة الإنترنت وشرائح الاتصال عن مستوى غير مسبوق من الرقابة والقمع السياسي، في خطوة تعكس تحوّل الإنترنت من حق أساسي إلى أداة ابتزاز وإخضاع تستخدمها السلطة لفرض الولاء السياسي على المجتمع.
فبحسب المعلومات المتداولة، لم يعد قطع الإنترنت أو تعطيل شرائح الاتصال يقتصر على فترات الاحتجاجات أو الاضطرابات، بل أصبح وسيلة لمعاقبة الأفراد بسبب آرائهم أو نشاطهم على مواقع التواصل الاجتماعي.
والأخطر أن إعادة الخدمة باتت مشروطة بتنفيذ سلسلة من الإجراءات الأمنية والسياسية التي تتجاوز حدود الرقابة التقليدية إلى فرض الولاء العلني للنظام.
وطلبت الأجهزة الأمنية من بعض المواطنين الذين حُجبت عنهم خدمات الإنترنت تقديم بيانات شخصية مفصلة تشمل عناوين السكن والعمل، وأرقام الحسابات البنكية، وصور البطاقات المصرفية، إضافة إلى جميع حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.
كما أُجبر بعضهم على توقيع تعهدات خطية بعدم نشر أي محتوى تعتبره السلطات “مغرضاً” أو مؤثراً على “الأمن النفسي والاجتماعي والسياسي” للبلاد.
لكن الإجراءات لم تتوقف عند هذا الحد، إذ طُلب من عدد من المواطنين نشر عشرات المنشورات المؤيدة للنظام الإيراني على حساباتهم الشخصية، وإرسال صور تثبت ذلك، بينما أُجبر آخرون على المشاركة في تجمعات ليلية داعمة للنظام والتقاط صور لهم إلى جانب أعلام إيران أو صور علي خامنئي، كشرط لإعادة الإنترنت ورفع القيود المفروضة عليهم.
وفي بعض الحالات، طالبت السلطات المواطنين بإحضار “كفيل” يتحمل مسؤولية أي نشاط إلكتروني مستقبلي، في مشهد يعكس حجم التغلغل الأمني في الحياة اليومية، وتحويل النشاط الإلكتروني إلى ملف أمني يخضع للمراقبة والعقاب الجماعي.
وتأتي هذه الإجراءات في ظل تصاعد الرقابة الرقمية داخل إيران خلال الأعوام الأخيرة، حيث استخدمت السلطات قطع الإنترنت بشكل متكرر خلال الاحتجاجات الشعبية، كما طورت منظومات مراقبة إلكترونية تعتمد على الرقابة الذكية والذكاء الاصطناعي لتعقب نشاط المستخدمين والسيطرة على تدفق المعلومات.
وتشير تقارير دولية إلى أن إيران تمتلك واحداً من أكثر أنظمة الرقابة على الإنترنت تشدداً في العالم، مع توسع ما يُعرف بـ”الإنترنت الوطني” الذي يمنح السلطات قدرة أكبر على عزل المستخدمين والتحكم في المحتوى الرقمي.
ويرى مراقبون أن ما يحدث اليوم يمثل انتقالاً من سياسة حجب المواقع والمنصات إلى نموذج أكثر خطورة يقوم على ربط الحقوق الأساسية للمواطنين، مثل الاتصال بالإنترنت، بدرجة ولائهم السياسي للنظام.
فالمواطن لم يعد يُعاقب فقط على ما ينشره، بل أصبح مطالباً بإثبات دعمه العلني للسلطة حتى يستعيد حقه في التواصل والعمل والوصول إلى العالم الخارجي.
كما تعكس هذه السياسات حالة القلق المتزايدة داخل النظام الإيراني من الفضاء الإلكتروني، خاصة بعد أن تحولت منصات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الماضية إلى واحدة من أهم أدوات نقل الاحتجاجات وكشف الانتهاكات وتجاوز الرقابة الرسمية.
ولهذا باتت السلطات تنظر إلى الإنترنت باعتباره ساحة معركة أمنية يجب السيطرة عليها بالكامل، لا مساحة حرة للتعبير وتبادل المعلومات.
ويحذر ناشطون من أن استمرار هذه السياسات سيدفع إيران نحو نموذج “الدولة الرقمية الأمنية”، حيث تُستخدم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وأدوات المراقبة ليس لتطوير الخدمات أو حماية المجتمع، بل لتقييد الحريات ومراقبة المواطنين وإجبارهم على الانصياع السياسي.
إن إجبار المواطنين على نشر صور علي خامنئي، وتوقيع تعهدات خطية، وتقديم كفيل لاستعادة الإنترنت، لا يعكس قوة الدولة بقدر ما يكشف حجم الخوف من الكلمة الحرة، ويؤكد أن السلطة باتت ترى في أي رأي مخالف تهديداً يستوجب العقاب والعزل الرقمي والاجتماعي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك