تعد مسألة سعى، أو مجرد الاعتقاد بسعى بعض دول الشرق الأوسط لتطوير قدراتها النووية للأغراض السلمية، ووفقًا لاتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية، بداية لوضعها تحت المجهر وإثارة المخاوف من أن يتحول هذا النشاط النووى السلمى إلى صناعة وامتلاك أسلحة نووية، وهذا يدخل فى دائرة المحرمات من وجهة النظر الأمريكية الأوروبية الإسرائيلية، وتبدأ حملات سياسية وإعلامية مكثفة لدرء هذه المخاوف أو وأدها فى مهدها كما حدث فى الملف النووى العراقى فى عهد صدام حسين أو القضاء عليه ثم على نظام صدام حسين نفسه.
وكما حدث فى الملف النووى الليبى حيث اختصر الرئيس القذافى الطريق وقام بتسليم كل التجهيزات والمعدات لإقامة مفاعل نووى إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وانتهى مصير نظام القذافى باغتياله.
تبقى ملفان نوويان أحدهما يحظى بأعلى درجات الاهتمام والإثارة وكل أنواع التحذيرات من الجانب الأمريكى والإسرائيلى والأوروبى، وربما أطراف أخرى، وهو الملف النووى الإيرانى.
أما الملف الثانى فهو الملف النووى الإسرائيلى والذى يحظى بأكبر قدر من التكتم والتعمية، بل والتجاهل من الجانب الأمريكى الأوروبى، وعدم الاهتمام الكافى من الأطراف الإقليمية فى منطقة الشرق الأوسط.
هذا رغم الفارق الكبير بين الملفين، فإيران عضو فى المعاهدة الدولية لمنع انتشار الأسلحة النووية وتخضع مفاعلاتها النووية لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية ويؤكد قادة إيران رسميًا أن ليس فى نيتهم إنتاج أسلحة نووية.
بينما إسرائيل على العكس من ذلك كله فلم تنضم للمعاهدة الدولية، ولا تخضع مفاعلاتها النووية لأى نوع من الرقابة، بل وتمتلك أسلحة نووية اقترح أحد وزراء الحكومة الإسرائيلية الحالية استخدامها لإنهاء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وأيده فى ذلك عضو جمهورى فى مجلس الشيوخ فى الكونجرس الأمريكى.
وبتتبع الملف النووى الإيرانى وفقًا لما نشر من تقارير أمريكية وأوروبية، فقد تم التوصل بعد مفاوضات مكثفة ومطولة لعدة سنوات، إلى الاتفاق النووى مع إيران ويعرف باسم «اتفاق خطة العمل الشامل المشتركة بين إيران والدول الأعضاء الخمس الدائمين فى مجلس الأمن (الولايات المتحدة الامريكية، وروسيا، والصين، والمملكة المتحدة، وفرنسا) بالإضافة لألمانيا».
ووقع الاتفاق فى 14 يوليو 2015، ودخل حيز التنفيذ فى يناير 2016، وأعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية وقتئذ أن إيران أوفت بالتزاماتها، وبدأت الدول الخمس وألمانيا برفع أو تعليق العقوبات الاقتصادية والمالية والأمنية والسياسية المفروضة على إيران.
ومن أهم بنود الاتفاق، موافقة إيران على عدم إنتاج اليورانيوم عالى التخصيب، أو البلوتونيوم، وكلاهما يمكن استخدامه فى صنع الأسلحة النووية.
واتخذت إيران إجراءات لحصر نشاط منشآتها النووية لاستخدامات مدنية فقط تشمل البحوث الطبية والصناعية والزراعية وغيرها.
وقد حدد الاتفاق عدد وأنواع أجهزة الطرد المركزى التى يمكن لإيران تشغيلها، ومستوى التخصيب المسموح به، وحجم مخزونها من اليورانيوم المخصب.
كما وافقت إيران على تنفيذ بروتوكول يسمح للمفتشين التابعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول غير المقيد إلى منشآتها النووية، لضمان عدم تطويرها أسلحة نووية سرًا.
وقد تم إيداع الاتفاق لدى الأمم المتحدة.
أعلن الرئيس الأمريكى ترامب، أثناء ولايته الأولى، فى 8 مايو 2018 رسميًا انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووى مع إيران بتشجيع ودفع من جانب إسرائيل.
وأرجع ترامب سبب الانسحاب من وجهة نظره، إلى «عدم شفافية إيران بشأن أنشطتها النووية»، وأعاد فرض سلسلة من العقوبات الاقتصادية والمالية الأحادية عليها، معتبرًا أن الاتفاق كان «سيئًا ومعيبًا فى جوهره».
وقد أدى ذلك إلى تعثر تنفيذ الاتفاق وتصاعد التوترات الإقليمية والدولية مع إيران.
واضطرت كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا إلى التراجع عن تنفيذ الجزء الأكبر من التزاماتها وفقًا للاتفاق، ومسايرة الموقف الأمريكى تحسبًا لأية أضرار اقتصادية قد تصيبها إذا لم تلتزم بالعقوبات الأمريكية على إيران، رغم أنها عقوبات أحادية وبدون تنسيق أو اتفاق معها.
وظلت كل من الصين وروسيا ملتزمتان إلى حد كبير ببنود الاتفاق النووى مع إيران، والنظر للموقف الأمريكى بأنه يتسم بالمبالغة.
بدأت إيران بالرد على هذا التراجع الأمريكى بزيادة نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 20%، ثم 60%، بدلًا من النسبة المحددة فى الاتفاق وهى 3,67%، ووضعت بعض الموانع أمام مفتشى الوكالة الدولية للطاقة الذرية للقيام بالتفتيش على بعض المنشآت النووية الإيرانية، مع تصاعد الاتهامات والحملات السياسية والإعلامية الإسرائيلية الأمريكية الأوروبية، الموجهة ضد إيران بأنها تسعى لإنتاج أسلحة نووية.
وفى المقابل لجأت إيران إلى إحاطة نفسها بغطاء من عدم اليقين عن طريق تصريحات ومقترحات متباينة لبعض المسئولين البرلمانيين الإيرانيين.
وقد سبق أن انضمت إيران إلى المعاهدة الدولية لمنع انتشار الأسلحة النووية منذ عام 1970، أى فى عهد الشاه.
وتؤكد طهران دائمًا أن امتلاكها للتكنولوجيا النووية، بما فى ذلك تخصيب اليورانيوم، هو حق أصيل لها كدولة عضو فى معاهدة منع الانتشار النووى، والشرط المفروض هو استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية.
وتستند إيران سياسيًا ودينيًا إلى فتوى أصدرها المرشد الأعلى آية الله على خامنئى فى عام 2003، والتى تحرم إنتاج واستخدام الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل.
ولم يؤد ذلك كله إلى حدوث اطمئنان، أو حد معين من الثقة لدى كل من إسرائيل والولايات المتحدة، وأطراف أخرى، كل لأسبابه.
إسرائيل تريد أن تنفرد بكونها الدولة الوحيدة التى توصلت إلى تصنيع وامتلاك أسلحة نووية، كما ترى فى إيران خطرًا دائمًا عليها طالما بقيت إيران قوية متماسكة مما يقتضى العمل بكل الوسائل السياسية والعسكرية لإضعافها ومنعها تمامًا من إمكانية حصولها على أسلحة نووية أو حتى مجرد وجود مثل هذا الاحتمال.
أما واشنطن، فإلى جانب دعمها لإسرائيل، لديها ثأر مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، والصدام مع واشنطن.
ويعتقد الرئيس ترامب أنه، بالعمل على إضعاف إيران والحيلولة دون حصولها على أسلحة نووية، يخدم إسرائيل ودول الخليج العربية، خاصة وأنه ثمة من يتحسبون من اتباع الشيعة فى إيران وغيرها مبدأ التقية، أى إظهار ما لا يبطنون وإخفاء النوايا الحقيقية تجنبًا للضرر.
كما أن آخرين يرون أن المعاهدة النووية لمنع انتشار الأسلحة النووية، لا توجد لها ضمانات ملزمة بها أو عقوبات واضحة لمن يخالفها.
لكن وعلى أى حال فإن المقارنة البسيطة الموضوعية بين الملف النووى الإيرانى والملف النويى الإسرائيلى تظهر بجلاء مدى التحيز لإسرائيل واعتبارها دولة فوق القوانين الدولية، وأنه لا يجوز عقابها مهما ارتكبت من مخالفات، بامتلاكها أسلحة نووية، أو بارتكابها جريمة الإبادة الجماعية، وجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية فى حربها على قطاع غزة وجنوب لبنان، وممارساتها ضد الفلسطينيين فى الضفة الغربية.
وكل هذه الجرائم تجعل من امتلاك إسرائيل أسلحة نووية خطرًا كبيرًا على الدول العربية مع العقلية التوعية الاستعمارية والعنصرية الإقصائية الإسرائيلية.
الحقيقة أن المخاطر عديدة تجاه تملك إسرائيل أو غيرها من دول الشرق الأوسط أسلحة نووية، لما سيؤدى إليه سواء على المدى المتوسط أو البعيد من دخول بعض دول المنطقة فى سباق الوصول إلى تصنيع أو امتلاك الأسلحة النووية، الأمر الذى يضيف عوامل عدم استقرار جديدة تزعزع الأمن والسلام فى المنطقة.
ويضاف إلى ذلك مخاطر استخدام الأسلحة النووية فى منطقة الشرق الأوسط فى ظل عدة حقائق جغرافية وديموغرافية، حيث لا توجد حواجز طبيعية من جبال وصحارى ومسافات شاسعة تفصل بين دول المنطقة التى تمثل حدود الأغلبية العظمى لها مجرد خطوط سياسية على الخرائط وعلامات أرضية.
والتداخل السكانى فلو أخذنا على سبيل المثال إسرائيل وفلسطين والأردن، تظهر حقائق تداخل السكان فداخل إسرائيل نحو 2 مليون فلسطينى، والمسافات بين نهر الأردن والبحر المتوسط تتراوح ما بين 50 إلى 100 كيلومتر فقط.
ومن ثم فأى سلاح نووى يستخدم سيكون ضد من؟ ! وكذلك الحال بالتداخل السكانى بين إيران ودول الخليج العربية وقرب المسافات وتشابك المصالح الاقتصادية والتجارية والأمنية.
وإدراكًا لكل هذه الحقائق، فإن المسار الأفضل هو الانضمام إلى مسيرة الدول وفى مقدمتها مصر التى تطالب منذ عدة عقود بمنع انتشار الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل فى منطقة الشرق الأوسط، وجعلها منطقة خالية من الأسلحة النووية من أجل أمن واستقرار وسلام جميع شعوبها ودولها، دون استثناء أية دولة من دول المنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك