وترتعب إسرائيل من إمكانية نجاح عناصر" قوة الرضوان" التابعة لحزب الله في تنفيذ عمليات توغل داخل بلدات الجليل، رغم الحرب الطويلة والعمليات العسكرية الواسعة التي نفذها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان.
ورغم إعلان الجيش الإسرائيلي تصفية المقاتل بعد اشتباك مسلح، إلا أن صدى الحادث تجاوز أبعاده الميدانية المباشرة، ليتحول إلى قضية أمنية وسياسية أثارت تساؤلات واسعة حول فعالية الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل على الحدود الشمالية خلال السنوات الماضية.
واعترف الجيش الإسرائيلي بأن المسلح تمكن من اجتياز الحدود والوصول إلى داخل إسرائيل قبل رصده والتعامل معه، فيما كشفت التحقيقات الأولية أنه كان يرتدي الزي العسكري الرسمي لحزب الله وعُثر بحوزته على سلاح وسكين.
كما رجحت التقديرات الإسرائيلية أن العملية كانت مخططة مسبقا وليست هجوما عشوائيا.
الحادث دفع السلطات الإسرائيلية إلى فرض إجراءات أمنية استثنائية، إذ طلب من سكان مستوطنات مرغليوت ومنارة ومسغاف عام البقاء داخل منازلهم لساعات، بينما أغلقت طرق رئيسية ونشرت قوات خاصة وطائرات استطلاع ومروحيات خشية وجود متسللين إضافيين أو خلايا مساندة.
ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن سكان المنطقة مشاعر القلق والصدمة التي سادت بعد اكتشاف وجود المقاتل داخل الأراضي الإسرائيلية.
وقال يهودا دود بور، الذي يسيطر على البستان الذي عثر فيه على جثمان المقاتل، إن السكان يعيشون في ظروف تشبه أجواء الحرب رغم الحديث الرسمي عن استعادة الأمن في الشمال.
وأضاف أن أكثر ما يثير القلق هو عدم وجود تفسير واضح لكيفية تمكن المسلح من تجاوز الإجراءات الأمنية والوصول إلى عمق المنطقة الحدودية، مشيرا إلى أن السكان لم يتلقوا تحذيرات فورية رغم اكتشاف عملية التسلل.
ومنذ سنوات، تنظر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى" قوة الرضوان" باعتبارها التهديد الأخطر على الجبهة الشمالية.
وقد بنيت معظم الخطط الدفاعية الإسرائيلية قبل الحرب الأخيرة على فرضية أن حزب الله قد يحاول تنفيذ عملية واسعة النطاق تشمل اقتحام مستوطنات الجليل والسيطرة المؤقتة على مواقع أو بلدات حدودية.
وعقب عملية" طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023، تصاعدت المخاوف الإسرائيلية من إمكانية تنفيذ نسخة شمالية مشابهة عبر الحدود اللبنانية.
واعتبرت تقارير إسرائيلية عديدة أن السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في نجاح مجموعات من" الرضوان" في اختراق الحدود والسيطرة على بلدات أو مواقع عسكرية لساعات، بما يخلق صدمة استراتيجية ونفسية داخل إسرائيل.
ولهذا السبب تحديدا، بررت إسرائيل عملياتها العسكرية الواسعة في جنوب لبنان خلال السنوات الأخيرة بأنها تهدف إلى إبعاد مقاتلي حزب الله عشرات الكيلومترات عن الحدود وتدمير البنية التحتية التي قد تستخدم في أي عملية توغل مستقبلية.
وما جعل حادث راميم استثنائيا في نظر المعلقين الإسرائيليين ليس عدد المشاركين فيه أو نتائجه العسكرية المحدودة، بل كونه وقع في منطقة يفترض أنها خضعت لعمليات تمشيط واسعة ومستمرة من قبل الجيش الإسرائيلي.
وسائل إعلام إسرائيلية وصفت الحادث بأنه" إخفاق مقلق"، خاصة أن الجيش يسيطر فعليا على شريط أمني داخل الأراضي اللبنانية ويؤكد بصورة متواصلة أنه نجح في إبعاد عناصر حزب الله عن الحدود.
وقال رئيس المجلس الإقليمي للجليل الأعلى آصاف لانجيلفان إن الحادث يمثل تقصيرا خطيرا يجب التحقيق فيه، مؤكدا أن سكان الشمال ما زالوا يشعرون بأنهم يعيشون في حالة حرب دائمة.
أما رؤساء السلطات المحلية في المنطقة فاعتبروا أن الحادث دليل إضافي على أن الأمن الكامل لم يتحقق رغم سنوات من العمليات العسكرية المكلفة، محذرين من أن أي نجاح مستقبلي لمقاتلين آخرين في التسلل قد يعيد أزمة الثقة بين سكان الشمال والدولة.
وتكمن حساسية الحادث في أنه يلامس نقطة الضعف الأكثر حساسية في العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد أحداث 7 أكتوبر، وهي مسألة اختراق الحدود.
ففي حين تستطيع إسرائيل التعامل مع الصواريخ أو الطائرات المسيرة عبر منظومات الدفاع الجوي، فإن تسلل مقاتلين إلى داخل الأراضي الإسرائيلية يحمل أبعاداً نفسية وأمنية مختلفة تماما، لأنه يضرب الشعور بالأمان لدى السكان ويعيد إلى الواجهة سيناريوهات الاقتحام والسيطرة على البلدات الحدودية.
ولهذا السبب، سارع رئيس الأركان إيال زامير إلى التأكيد أن الجيش سيواصل عملياته ضد حزب الله في جنوب لبنان، متعهدا بإلحاق مزيد من الضرر بقدراته العسكرية ومنع أي محاولة لتغيير الواقع الأمني على الحدود.
لكن حادث راميم أظهر أن المخاوف الإسرائيلية من" قوة الرضوان" لم تختف رغم الحرب والعمليات العسكرية المستمرة، وأن مجرد نجاح مقاتل واحد في عبور الحدود كان كافيا لإعادة شبح اجتياح الجليل إلى صدارة النقاش الأمني والسياسي داخل إسرائيل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك