يتحقق الإبدال المعرفي القرآني من خلال ما نسميه الإبدال السردي، باعتباره الخاصية المميزة لـ»القرآنية»، التي نستجمع فيها كل ما يتصل بتميز القرآن الكريم، واختلافه عن غيره من النصوص.
لقد جاء توظيف القصص القرآني ليس فقط لتثبيت قلب الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وحثه على الاستئناس بما جرى للرسل والأنبياء من قبله، وما تعرضوا له من مصائب، ولكن أيضا لإعطاء الإبدال المعرفي كل ركائزه وتجلياته عبر توظيف السرد، فجاء بدوره متميزا عن مختلف السرود التي أنتجت قبله، من حيث طبيعته ووظيفته.
ويبدو لنا ذلك بجلاء فيما نلفاه في تقطيع المواد الحكائية وتوزيعها في الكثير من السور، وتقديمها بكيفيات مختلفة عن غيرها، وإن كانت تدور في محاور محتوياتها القصصية، وفي تصوره للزمن.
يبدو لنا ذلك بجلاء، في ما يتصل بقصص الأنبياء والرسل وغيرها، من جهة، ومن جهة ثانية، في ما يتصل بالمجتمع العربي قبل البعثة النبوية، وخلالها في ما أدرجناه تحت «قصة النبي محمد» (ص)، أي بما اعتبرناه القصة الإطار، والقصص المضمنة.
يبرز لنا الإبدال المعرفي واضحا من خلال السرد، الذي يقدم لنا عدة قضايا دينية واجتماعية سائدة وموقف الإسلام منها، ودعوته إلى الابتعاد عنها.
وهي تكشف لنا بدقة وصرامة دعوته المخالفة لما اعتاد عليه العرب، وغيرهم من الأمم والشعوب، قبل الإسلام وما عرفوه من تقاليد وعادات.
لذلك نجد علاقة وطيدة بين الإبدالين وهما يجسدان معا الرؤية الجديدة والجذرية للعالم وللإنسان في علاقته بخالقه.
لقد اعتبرنا الإبدال القرآني ممتدا من زمن النبوة إلى قيام الساعة، متوازيا مع مختلف تجليات الزمن، كما يقدمها لنا القرآن الكريم.
نختصر مقومات الإبدال المعرفي القرآني من خلال موقفه من الدين، والقيم الاجتماعية والأخلاقية عند الأمم السابقة، وفي عصر ما قبل الإسلام لإبراز الرؤية الجديدة التي جاء بها القرآن الكريم محدثا بذلك ثورة وتغييرا ذا بعد إنساني يتحدى الزمان والمكان.
تتناول القصص القرآنية، في ما يتعلق بالدين، الأنبياء والرسل، الذين بعثهم الله لهداية أقوامهم إلى عبادته، معترضا على التصورات التي لم تكن تؤمن بما جاؤوا به، سواء كانوا وثنيين أو متعددي الآلهة، أو دهريين لا يؤمنون بالآخرة، أو مدعي ألوهية.
متطرقا، إلى جانب ذلك، إلى ما اعترى الكتب السماوية من تحريفات ابتعدت بها عن أصولها التوحيدية، ومؤكدا في النهاية أن «الدين عند الله الإسلام» (آل عمران، 19)، وأن كل الأنبياء والرسل بعثهم الله بدين واحد وعبادة إله واحد.
ويحتل هذا الإبدال محورا أساسيا في القصص القرآني، من خلال تقديم ما جرى لبعض الأنبياء والرسل مع أقوامهم.
وإذا كانت بعض تلك الأقوام السابقة على الإسلام لم تؤمن بالله ورسله، فإن المعترضين على الآخرة اليوم لا يختلفون عن كل الأمم السابقة، وكل الحجج التي يقدمونها، رغم ما يربطونه بالتطور الفكري والعلمي، لا تتجاوز ما كان يعتقده القدماء إلا من خلال اللغات والمصطلحات الموظفة.
لقد نوع القرآن الكريم في الحجاج مع كل من لم يؤمن بالله.
وفي كل زمان ومكان، كان خطابه موجها إلى هؤلاء، وكان اعتناق الإسلام في كل زمان ومكان دالا على إبدالية القرآن الكريم الممتدة والمتواصلة.
أما على صعيد العلاقات بين الناس، وما ارتبط بالقيم والأخلاق فقد كانت مختلف القصص المقدمة، تقدم لنا نماذج متعددة من الممارسات التي اتخذ منها الإسلام موقفا واضحا، مثل: القرابة (نوح وابنه، وإبراهيم وأبوه)، والنسب: «ما كان محمد أبا أحد من رجالكم» (الأحزاب، 40).
والعرقية «ولعبدٌ مومن خير من مشرك ولو أعجبكم» (البقرة، 221).
إن قيمة الإنسان في الإسلام لا تكمن فيمن هو؟ ولا في ما يملك؟ ولكن في مدى هدايته وإيمانه.
كما أن القرآن الكريم كان واضحا من الربا: «وأخذهم الربا وقد نهوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل، واعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما» (النساء، 161)، ومن استغلال الناس عبر توظيف القضاء لتحقيق مآربهم: «ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وتدلوا بها إلى الحكام…» (البقرة، 188)، أو الغش: «ويل للمطففين»(المطففين، 1)، أو خيانة الأمانة: «وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قائما (آل عمران، 75).
والأمثلة الدالة على ما كان سائدا من معتقدات وعلاقات قديمة فاسدة لا حصر لها (اللواط، المثلية…) بين فيها القصص القرآني موقفه منها بجلاء، مركزا على دورها السلبي في الحياة العامة، وآثارها الخطيرة على استتباب الأمن، بعدم تحقيق المساواة بين الناس باتباع أوامره.
ولذلك كان جزاء أقوام مختلف الأنبياء الذين استهانوا بخطابهم التوحيدي هو الهلاك، «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا» (الإسراء، 15).
جاءت البعثة النبوية لتكون خاتمة النبوات، لذلك نجدها تقدم لنا إلى جانب مساوئ الأمم السابقة التي نبذتها ما كان سائدا من معتقدات وعلاقات وقيم داخل المجتمع العربي عملت على محاربتها والتصدي لها، مثل: الشرك، والعصبية القبلية، والعبودية، ووأد البنات، والتحريض على الزنا، والزواج بالأخوات، وقذف المحصنات، وأكل أموال اليتامى، وغيرها من العلاقات المتصلة بالإنسان في علاقته بأخيه الإنسان، محملا الفرد مسؤوليته على نفسه: «من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها» (الإسراء، 15)، مؤكدا أن محاسبة كل إنسان تتأسس على سلوكه الفردي: «وكلهم آتيه يوم القيامة فردا» (مريم، 95).
يتخذ الإبدال المعرفي القرآني موقفا صارما من الباطل، الذي يجابهه بالحق الذي يدعو إلى مواجهة مختلف أشكال الفساد التي تنجم عن اتباع الإنسان لأهوائه في كل زمان ومكان.
فلا فرق في ذلك بين عالم الغيب والشهادة.
ولذلك كان الإبدال السردي القرآني يوظف ذاك الإبدال في كل سورة وآية، سواء تعلق الأمر بالقصة الإطار المفتوحة على المستقبل، أو القصص المضمنة التي توقفت في الماضي.
وما التكراري المتشابه والمختلف في ما يتصل بالإنسان وعلاقاته مع بعضه بعضا وخالقه، سوى دليل على ذلك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك