الثورة والسلام: في الرد على دعوة مصالحة قوى الردةفي بريد الرفاق في قيادة القوى المدنية الديمقراطية، ممن يريدون للثورة أن تكون طريقاً إلى الحرية، لا طريقاً إلى سلطان جديد، وممن يريدون للسلام أن يكون حياةً للناس، لا ستاراً يعود من ورائه الذين أفسدوا الحياة.
نعلم جميعاً ان الثورة ليست صوتاً يعلو في الطريق، ثم يخفت.
وليست غضبةً تقوم في النفوس، ثم تنصرف.
وليست عداوةً لرجل، ولا لحزب، ولا لجماعة من الناس.
الثورة عملٌ من أعمال الإنسان، إذا صحت وجهته صح أثره، وإذا فسدت وجهته دخل عليه الفساد من حيث يظن أنه يحسن صنعاً.
الثورة حركة.
ولكن أي حركة؟ ؟هي حركة من الخوف إلى الحرية.
ومن الذل إلى الكرامة.
ومن عبادة القوة إلى معرفة الحق.
ومن الرضا بالظلم إلى منازعته.
لا طلباً للغلبة، وإنما طلباً للإنسان.
فاسأل نفسك: هل أنت تريد الثورة لأنها تغلب خصمك، أم تريدها لأنها ترد الإنسان إلى منزلته؟ ؟فإن من أراد الغلبة وحدها، ربما غلب، ثم صار شبيهاً بمن غلبه.
ومن أراد الحق، صبر عليه، ولو طال الطريق، ولو اشتد البلاء.
فإن الذين يقولون اليوم إن الحرب قد جعلت انتصار الثورة مستحيلاً، إنما ينظرون إلى ظاهر الأمر، ولا ينفذون إلى حقيقته.
ظاهر الأمر أن المدن قد خربت، وأن الناس قد نزحوا، وأن البنادق قد علت على الأصوات، وأن الخوف قد تمدد في البيوت والطرقات.
ولكن الحق لا يتم بهذا الظاهر وحده.
فالحرب لم تكذب الثورة، وإنما صدقتها.
الحرب لم تقل إن الثورة كانت خطأ، وإنما قالت إن الثورة لم تبلغ تمامها.
قالت إن دولة التمكين، إذا بقي أصلها، رجعت في صور كثيرة: ترجع في صورة حرب، وترجع في صورة مليشيا، وترجع في صورة جيش مسيس، وترجع في صورة دين يطلب به السلطان، لا وجه الله، ولا كرامة الإنسان.
وكيف يكون أصل البلاء باباً للخلاص؟ ؟وكيف يقال للناس: عودوا إلى الذين صنعوا شروط الخراب، فإن عندهم طريق النجاة؟ ؟إن النصر ليس أن تحمل سلاح خصمك، ولا أن تأخذ خلقه، ولا أن تدخل معه في صفقة تحفظ له موضعه القديم، ثم تقول للناس: هذه حكمة.
الحكمة أن تعرف موضع الداء، ثم لا تجعل الداء دواءً.
والحكمة أن تطلب السلام، ولا تجعل السلام باباً لعودة الفتنة.
والحكمة أن ترحم الناس من الحرب، ولا ترحم الباطل من المحاسبة.
نعم.
لا بد من وقف الحرب.
نعم.
لا بد من حفظ الدم.
نعم.
لا بد من طريق يخرج الناس من الجوع، والخوف، والنزوح، والذل، وانتظار الموت.
ولكن ليس كل وقفٍ للحرب سلاماً.
قد تسكت البنادق ساعة، ثم يبقى السلاح في قلب الدولة.
وقد يقف الرصاص في الشارع، ثم تبقى الفتنة في العقل الذي يحكم، وفي المال الذي يشتري، وفي التنظيم الذي يتخفى، وفي الأجهزة التي لا ترى الناس مواطنين أحراراً، وإنما تراهم رعيةً تُقاد.
أهو أن يرجع الذين أفسدوا الدولة إلى باب الدولة؟ ؟أهو أن يُغسل تاريخ التمكين بدماء الضحايا؟ ؟أهو أن نقول لمن جعل الدين سلماً إلى السلطان: تفضلوا، فإن البلاد قد تعبت؟ ؟هذا خوف لبس ثوب العقل.
وهذا عجز تسمى بالسياسة.
وهذا رجوع إلى الوراء، وإن جاء في صورة اتفاق جديد.
إن المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية ليسا مجرد حزب خرج من الحكم، ولا جماعة أخطأت في السياسة ثم تعود إلى السياسة كما يعود غيرها.
هما تجربة في تبديل معنى الدولة.
جعلوا الجيش موضع ولاء، لا موضع وطن.
وجعلوا المال غنيمة، لا أمانة.
وجعلوا الدين طريقاً إلى الحكم، لا طريقاً إلى تهذيب النفس.
وجعلوا المواطن تابعاً، لا صاحب حق.
وجعلوا الوطن مزرعةً للتنظيم، لا داراً للناس جميعاً.
إن الثورة لا تصح بالحركة وحدها.
قد يتحرك الجسد، والقلب غائب.
وقد يعلو الصوت، والوجهة غائبة.
وقد يكثر الكلام عن الثورة، ثم تسقط الثورة من الداخل، لأنها نسيت لماذا قامت.
وحضور الثورة أن تعرف عدوها الحقيقي: ليس شخصاً، ولا حزباً فقط، وإنما ذلك العقل الذي يجعل الإنسان وسيلة، والدولة غنيمة، والدين ستاراً، والسلاح حكماً بين الناس.
فلا يغركم من يقول: لقد ضعفت قوى الثورة.
ولا يغركم من يقول: لقد تفرقت.
ولا يغركم من يقول: لقد طال الطريق.
فان الحق لا يبطل بضعف حملته، ولا الطريق ينعدم لأن السالكين قد تعبوا.
وإنما يطلب من أهل الحق أن يرجعوا إلى أصل المعنى: أن يصححوا الوجهة، وأن يجمعوا ما تفرق، وأن يميزوا بين السلام والردة، وبين الرحمة والتهاون، وبين السياسة وبيع النفس.
قوى الثورة ليست مطالبة بأن تنكر الواقع، فإن إنكار الواقع غفلة.
وليست مطالبة بأن تسجد للواقع، فإن السجود للواقع موت.
إنما هي مطالبة بأن تعرف الواقع، ثم تعمل فيه، من غير أن تكون له عبداً.
تفاوض لفتح الممرات.
نعم.
تفاوض لإخراج الناس من الجوع والخوف.
نعم.
تفاوض حتى يعود النازح إلى بيته، وحتى تسكن الأم على ولدها، وحتى يجد الناس طريقاً إلى الحياة.
نعم.
أما أن يكون التفاوض باباً لعودة التمكين، ورداً لوجه الحركة الإسلامية إلى صدارة البلاد، فذلك ليس سلاماً، وإنما هو فتنة مؤجلة.
والفتنة المؤجلة حرب قادمة.
إن الطريق اليوم ضيق، ولكنه موجود.
ومن طلب الطريق الواسع في زمن الخراب ضل.
ومن مشى الطريق الضيق بصبرٍ، ومعرفةٍ، وحضورٍ، وجد من الله فتحاً، ومن الناس عوناً، ومن الحق نوراً.
فلا تقولوا: استحال انتصار الثورة.
ولا تقولوا: لا بد من مصالحة الردة.
قولوا: لا بد من سلام يقطع طريق الردة.
ولا تقولوا: الحرب هزمت الحلم.
قولوا: الحرب امتحنت الحلم، وكشفت أنه محتاج إلى تنظيم أصدق، ووعي أرسخ، وقوى مدنية تعرف كيف تجمع الناس حول وقف الحرب، من غير أن تبيع معنى الثورة في سوق التسويات.
فإن النصر ليس آخر المعركة وحده.
النصر أن تصح الوجهة في المعركة.
النصر أن تطلب السلام، ولا تنسى العدل.
النصر أن ترحم الناس، ولا ترحم بنية الظلم.
والتفاوض الذي لا يميز بين من يريد وقف الدم، ومن يريد العودة على أكتاف الدم، تفاوض أعمى.
اصبروا على الحق، ولا تستعجلوا له ثمراً فاسداً.
واطلبوا السلام، ولا تعطوا للباطل اسماً جديداً.
وارحموا الناس من الحرب، ولا تسلموهم للذين صنعوا أسبابها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك