تتقدم الكراهية إلينا في صورة وباء متحول، يجدد ملامحه وتوصيفاته على ضوء الشروط المتاحة، التي تسمح له بإعلان هوسه بالقتل، بعيدا عن أي اعتبار أخلاقي ديني أو قانوني.
ومن خلال تأملنا القلق في تفاصيل المشهد، وبما أمكن من التجرد، والموضوعية، نستطيع أن نهتدي إلى ما يضج به من قضايا خلافية، تتجاوز مستواها البسيط، إلى آخر أكثر تعقيدا، تتداخل بموجبه التشنجات العرقية، بالعقدية، وبما لا حصر له من فائض التنافرات الحضارية، ورغم شساعة المساحة الفكرية، التي تطالعنا بها غواية الاختلاف، على امتداد كل هذه العقود الطويلة من البحث والمساءلة والسجال، ورغم كل ما أسفرت عنه هذه المساحة من أطاريح فكرية وفلسفية، في محاولة يائسة لتعبيد الطريق إلى مقام التواصلات المُفترَى عليها، إلا أنها ستظل دائما ذلك اللغم الصاعق، الذي لا يكف عن تهديد مسكن الإنسانية، باحتمال تفجير المشهد بساكنته، كما بمرتاديه، أي أولئك الذين يقصدونه على سبيل إشباعٍ مؤقتٍ لفضول عابر، بغية التأكد من وهم تعايش، يبدد تجهم الاختلاف وفظاعته.
ذلك أن الكراهية المحتجبة خلف مرايا الاختلاف المحدبة، تتحين باستمرار، فرصة تفجير ما يعتمل في دواخلها من عنف، كي تطمئن إلى تمَوْضعِها الشامل والمريح، في أفقها المعلن والمسكوت عنه.
والقول بالعنف هنا، هو قول بكل تداعياته التي لا أثر فيها للرحمة أو الإشفاق، لا يلبث التوحش أن يكاشفنا فيه بكل ما ينطوي عليه من همجية في إنزال الأذى بالمشهد ومن فيه.
إنه بهذا المعنى، الارتجاج الكبير الناتج عن خلل ما، لحظة اجتراح مجموعة بشرية لوجهة مشتركة، ثم إنه فضلا عن ذلك، المخزون الوبائي، الجاهز للتّوظيف مباشرة، حالما يلفظ الحوار آخر ما تبقى من أنفاسه.
هكذا يكاشفنا المشهد، باستشراء حالة مزمنة من التراضي القسري، الملطفة بأنسام التفاهم، فيما جمرة الشر تتهيأ للتلويح بِجَام نيرانها.
إن الكراهية من هذا المنطلق، حريصة على تجديد مرجعياتها وآليات اشتغالها، باستثمارها الماكر للمنجز المعرفي والعلمي، ولكل الإواليات التي تُضفي على خطاباتها مزيدا من الصلاحية والقوة، الكفيلتين بإنجاز مهام الفتك.
إنها وبهذا المعنى، تسير بخطوات موازية لتلك التي تتقدم بها صنائع القتل والدمار، قصد ارتكاب أبشع ما يمكن أن يتبادر على ذاكرة الهمج من جرائم، هكذا تصبح الديانة والعرق والجغرافيا، مجرد ذرائع لإذكاء ما أمكن من نيرانها الثاوية تحت الجلد.
إن قِيَما من قبيل العدالة والحق في الوجود، أمست تُقارب على ضوء معايير مغرضة وكيْدِيّة، حيث يصبح الحق في الاختلاف، شبيها بتلك الحصاة الزجاجية اللامرئية المتحرشة بحُفي قدمك، كي تعكر عليك صفاء وجودك في بقعة ما من متاهة المشهد، وحيث سراط التفاهم أمسى أرقَّ من شعرة، وأمضى من سيف، يؤدي أدنى خلل فيه أو في الخطوة، إلى سقوطك العاجل في نار الخلاف.
هكذا، وفي ظل هُجنة الأنساق، ستظل مستبعدةً مغامرةُ الخوض في أسئلة الثوابت الفاصلة بين الحق والباطل، وبين الصواب والخطأ، بين الحكمة والجنون، بين النوايا المبيتة وضدها.
كما ستحتاج معجزة اكتشاف دلالة العمق الحضاري، إلى المزيد من حرائق الإبادة، ومكائدها.
ذلك أن التراكم الحضاري، بمفهومه المتداول في المحافل المغلوبة على أمرها، لم يعد بالضرورة مؤشرا مثاليا على قابلية البشرية للحلم بفراديسها المؤجلة، بقدر ما أمسى حطبها النموذجي لإضرام ما يكفي من نيران الأحقاد التاريخية، الملحة على ضراوة تموضعها، في الـ»هنا» كما في الآن.
لذا، لم يعد ممكنا أن تقع الطيور على أمثالها، ما دامت الفخاخ قادرة على انتحال صفات وأشكال هذه الطيور، باعتبار أن قانون الهيمنة هو الذي يتدخل تلقائيا، وبمختلف مسوغاته من أجل تفعيل منطق الوقوع.
إن العدوانية شأنها شأن الكراهية، غير قابلة مطلقا لأن تُفرّغ في قوالب معلومة، وأنساق ثابتة، حيث يستحيل والحالة هذه، الانطلاق من نموذج محدد يُعتمد في التفسير والتأويل، ودليلنا في ذلك، ذاكرة الإبادات التي ترشح بكل نماذج الخلط، الخبير بإنتاج طرائق جديدة للكراهية، وللعدوانية أيضا.
ذلك هو الواقع الذي تعيد فيه المفاهيم صياغة دلالاتها، واقع لا تعوزه الجرأة كي يردد بكل ما في متناوله من لغات: في البدء كان الخلاف، وفي البدء كانت الكراهية، حيث أمست القوة، وبكل ما تتمتع به من عمىً أخلاقي وحضاري، السلطة الفعلية المؤهلة أكثر من غيرها في تكريس القوانين المستحدثة للكينونة.
وبامتيازها فقط، سيكون لكل مزاج سائب أن يستقل بقِيَمه الحضارية الخاصة به، وبأسباب وجوده.
إن الاختلاف الذي نحن بصدده، يساهم في إحداث الفجوة، التي يمكن أن تتحول، ومن دون سابق إنذار، إلى هوة سحيقة، تحُول دون تحقيق الحد الأدنى من الاتفاق.
كما أنه وبحكم طبيعته الاكتساحية، يتدرج من مستويات التدليس البسيطة والجزئية، الممارسة عادة ضمن مجال العلاقات الفردية، كي يتحول إلى إشكال حضاري، يفتح أبواب جهنم على مصراعيها، بين الأنظمة كما بين الشعوب.
ومن المؤكد أن لجوء الهيمنة المهووسة بتكريس تسلطها، إلى الاستعانة بشطط الأمزجة السائبة، هو التعبير البليغ عن هوية ذلك الجزء المتوحش، الذي لم يعد منسيا أو مسكوتا عنه، بعد أن تأكد وبالملموس أن واقع الحال، أو بالأحرى واقع الكُلّ، لا يمكن أن يستقيم إلا بعدوانيته المنقطعة النظير.
فما دام هذا الكل، منذورا مبدئيا – من حيث تكوينه الطبيعي- للنقصان، فإنه يتطلع إلى استكمال ذاته، عبر انفتاحه الدائم على المزيد من الأجزاء، التي ليست في نهاية المطاف سوى متواليات النقصان، المترتّبة عن عنف اختلافاتها.
هذا النقصان الحاد، والحتمي، هو الذي يتشكل بموجبه مفهوم البنية الحضارية الجديدة، المتماهية تماما مع بؤس القوة، حيث يظل البعد القيمي محتفظا بزئبقيته، التي هي الآن عاملُ تناحرٍ محكوم بقانون الغاب.
ضمن هذا السياق المدجج بقوانين الغلبة، ينبني خطاب الكراهية على استراتيجية مريبة، قوامها تبرئة الذات، وتقديمها بوصفها ضحيةً لعدوانيةِ الآخر/الكريه، وأيضا باعتبارها نموذجا مثاليا للطهارة الملائكية، وهو ما يعبِّد الطريق نحو شيْطنة هذا الآخر، وتجريمه، باعتباره البؤرة الملعونة، التي تجد فيها الكراهية ضالتها الأثيرة، وفي مقدمتها تلك المحيلة على توصيفات الإرهاب، بما تتضمنه من دونية، وتوحش، وتخلف.
إن العدوانية شأنها شأن الكراهية، غير قابلة مطلقا لأن تُفرّغ في قوالب معلومة، وأنساق ثابتة، حيث يستحيل والحالة هذه، الانطلاق من نموذج محدد يُعتمد في التفسير والتأويل، ودليلنا في ذلك، ذاكرة الإبادات التي ترشح بكل نماذج الخلط، الخبير بإنتاج طرائق جديدة للكراهية، وللعدوانية أيضا.
وبالتالي، قد نكون ربما بحاجة دائمة إلى أنداد وليس إلى أعداء، بما تعنيه الندية، من منافسة، وبما تعنيه من كونها مصدرا تحفيزيا للذات، ومجالا صحيا وطبيعيا لتأكيد قدرة الذات على إثبات حضورها في هذا المجال أو ذاك.
إن الخطاب العربي الحديث، وبدل اهتمامه بقيم التسامح والتواصل، مطالب حاليا وأكثر من أي وقت مضى، بتفكيك ما ينتجه الآخر من خطابات حول هويتنا التي تبدو مشبوهة – من وجهة نظره طبعا ـ بفعل قابليتها لأن تتشرب بظلامية العنف الإرهابي.
وخلال هذا التفكيك فقط، يمكن للخطاب العربي أن يتبين ما يتخلل هذه الخطابات من كراهية وخبث إقصائي، لا يحجم عن إضرام نار الإبادة، في كل اختلاف غير قابل للتماهي مع انتظاراته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك