** المجتمع المدنى اللاعب الاساسى فى تأمين مستقبل المدن الساحلية وتوازن التنوع البيولوجيفي تلك البقعة الساحرة التي تعانق فيها الصحراء الشرقية مياه البحر الأحمر، يبرز مشهد استثنائي يكسر قاعدة الطبيعة، أشجار خضراء يانعة تغوص جذورها في مياه شديدة الملوحة، وتنمو في تربة طينية فقيرة بالأكسجين، وعينك ترى على مدد النظر فسيلات وشجيرات ترتص وكأنها جنود فى مرحلة التدريب على حماية المدن الساحلية، ورغم بعد المكان الا انك لن تتعجب إن رأيت شبابا وفتيات يرتدون تى شيرتات بيضاء تحمل شعارا لوزارة البيئة ويحملون بفرحه شتلات من الشجر يزرعونها بايديهم وكأنها رسايل للمستقبل، هنا تجربة صمود لشعب يحمى بلاده من موجه التغيرات المناخية.
هناك بين مرسى علم وحماطة وبالقرب من محمية حنكوراب مساحات شاسعة من غابات المانجروف، أو كما يطلق عليها العلماء رئة البحر الأحمر، هذه المنظومة البيئية الفريدة ليست مجرد لوحة جمالية، بل هي خط الدفاع الأول عن اليابسة، والمصنع السري الذي يعمل على مدار الساعة لامتصاص غازات الاحتباس الحراري وتخزينها في أعماق الأرض لآلاف السنين.
منذ أيام كانت فاعليات الاحتفال باليوم العالمى للبيئة بداية شهر يونيو، وهو الشهر الذى يرسل الجميع رسائل طمأنه لاطفال المستقبل، فينما يتحدث العالم عن الغابات الاستوائية كخزانات للأكسجين، يكشف هذا التحقيق عن حقيقة غابات المانجروف التى تتفوق على نظيراتها البرية بقدرتها على امتصاص الكربون بنسبة تصل إلى أربعة أضعاف، وهو ما يطلق عليه الخبراء مفهوم" الكربون الأزرق".
وفى هذا السياق يخبرك الدكتور عادل سليمان أحد خبراء وزارة البيئة فى ملف التنوع البيولوجى، عن حقيقة وأهمية أشجار المانجروف قائلا إن جذور المانجروف المتشعبة لا تكتفي بامتصاص الكربون من الغلاف الجوي، بل تعمل كمصيدة للرواسب العضوية، مما يجعل التربة المحيطة بها مخزناً عملاقاً للكربون لا يسربه إلى الجو مرة أخرى ما لم يتم تدمير الغابة.
هذا الاكتشاف يجعل من حماية المانجروف في مصر ضرورة أمنية وقومية، وليس مجرد رفاهية بيئية، خاصة مع تزايد الضغوط العالمية لخفض الانبعاثات.
الحلول القائمة على الطبيعة والتكنولوجيا الفطريةويكمل سليمان قائلا فى تصريحات خاصة لـاليوم السابع، على هامش زيارة ميدانية لاعلاميين الملف البيئي لموقع غابات المانجروف بالبحر الأحمر بالتنسيق مع وزارة التنمية المحلية والبيئة وجمعية بيئة بلا حدود وتنظيم جمعية كتاب البيئة على مدار 4 أيام من 2الى 5 يونيو لزراعة شتلات من المانجروف، انه في ظل التكاليف الباهظة لبناء الحواجز الخرسانية لحماية الشواطئ، تبرز" دالحلول القائمة على الطبيعة كبديل عبقري واستراتيجي، مؤكدا أن المانجروف يعمل ككاسر أمواج طبيعي، فشبكة جذوره المعقدة تمتص طاقة الأمواج العاتية بنسبة تفوق 70%، مما يمنع نحر الشواطئ وتآكل السواحل.
خلال جولتنا الميدانية، لاحظنا كيف تحافظ المناطق التي تكثر فيها غابات المانجروف على استقرار رمالها، بينما تعاني المناطق الجرداء من تراجع واضح لخط الشاطئ، حيث إنها التكنولوجيا الربانية التى توفر على الدولة ملايين الجنيهات التي تُنفق في إنشاء الحواجز الصناعية، بالإضافة إلى كونها نظاماً بيئياً ينمو ويتجدد تلقائياً.
الرحلة من الصوبة إلى الشاطئ.
تجربة الاستزراع في القلعان ووادي الجمالإن التحول من الحماية إلى الاستزراع كان هو التحدي الأكبر، فداخل محمية وادي الجمال، وقفنا على تجربة المشاتل من الصوب التي تعد النواة الأولى لغابات المستقبل، وهتا وقف الدكتور سيد خلف نقيب الفلاحين، يشرح العملية التى تبدأ بجمع البذور التي تسقط طبيعياً، ثم رعايتها في بيئة محكومة حتى تصبح" شتلة" قوية قادرة على مواجهة ملوحة البحر والتيارات المائية، وكيف ان هذه الرحلة من الصوبة إلى الشاطئ ليست سهلة، فهي تتطلب دراسة دقيقة لتيارات المد والجزر ونوعية التربة.
نجاح مبادرات المجتمع المدنيفي منطقة القلعان، ترى بعينك نتيجه مجهود سنوات للعديد من مؤسسات المجتمع المدنى التى تعمل على حماية البيئة، وملف التغير المناخى، ويمكنك بنظرة عابرة ان ترصد نجاح المبادرات في زراعة آلاف الشتلات التي بدأت بالفعل في تغيير ملامح المنطقة، مما أعاد الأمل في إمكانية استعادة المساحات التي فُقدت خلال العقود الماضية نتيجة الأنشطة البشرية غير المنظمة.
الإنسان والمانجروف شراكة البقاء والرزقلا يمكن الحديث عن المانجروف بمعزل عن المجتمع المحلي من سكان البحر الأحمر من الصيادين واسرهم،ويروى دهشور فتحى احد صيادين البحر الاحمر حكايته مع اشجار المانجروف، قائلا ان جذور المانجروف توفر الملاذ الآمن لصغار الأسماك والقشريات والجمبري بعيداً عن المفترسات، مما يجعل المناطق المجاورة لهذه الغابات هي الأكثر إنتاجية في الثروة السمكية، فالمامجروف هو بيت السمك.
لا تتوقف محاولات تنمية المجتمع المحلى للبحر الأحمر عند صيد السمك فقط وانما تشهد المنطقة حزمة اخرى من الفرص الاقتصادية الواعدة، بعيدا عن الطهى وصناعة المنتجات اليدوية التراثية، مثل" عسل المانجروف" الذي ينتجه النحل الذي يتغذى على أزهار هذه الأشجار، وهو منتج عضوي فاخر يمكن أن يوفر دخلاً مستداماً للسكان المحليين، مما يحولهم من مجرد مراقبين إلى حراس حقيقيين لهذه الغابات، انطلاقاً من مبدأ المنفعة المتبادلة.
التحديات وأعداء الصمود الأخضررغم النجاحات، لا يزال المانجروف يواجه أعداءً شرسين، منها الزحف العمراني العشوائي، والأنشطة السياحية التي لا تراعي الحرم البيئي، والتلوث بالزيوت أو المخلفات الصلبة، فكلها عوامل تخنق جذور المانجروف وتؤدي إلى موته واقفاً.
كما أن الرعي الجائر من قبل الجمال في بعض المناطق يمثل تحدياً آخر، حيث تلتهم الجمال الأوراق الغضة للأشجار، مما يعيق نموها.
التحدي هنا يكمن في خلق توازن بين احتياجات السكان المحليين وبين استدامة الغابة، وهو ما يتطلب برامج توعية مستمرة وتشريعات حازمة تحمي كل شجرة باعتبارها ملكية عامة للأجيال القادمة.
المانجروف في بورصة الكربونيكشف الدكتور عادل سليمان عن امكانية تحويل غابات المانجروف المصرية إلى أصول مالية من خلال سوق شهادات الكربون، مؤكدا أن الفكرة تعتمد على حساب كمية الكربون التي تمتصها هذه الغابات وتحويلها إلى شهادات تباع للشركات والمصانع الملوثة للبيئة عالمياً، وتوجيه العائد لتمويل مشروعات الحماية والتنمية في البحر الأحمر.
هذه الرؤية ستحول البيئة من قطاع مستهلك للميزانية إلى قطاع منتج وجاذب للاستثمار الأخضر، مما يضع مصر على الخريطة العالمية للدول الرائدة في استخدام الحلول الطبيعية لمواجهة التغير المناخي.
جدير بالذكر إن غابات المانجروف ليست مجرد شجر ينمو في الماء، بل هي صرخة الطبيعة في وجه العبث المناخي، وإن كل شتلة نزرعها اليوم هي بمثابة مسمار في نعش التغيرات المناخية، وحصن حصين يحمي بيوتنا وشواطئنا ومستقبل أطفالنا.
حماية المانجروف هي معركة وعي قبل أن تكون معركة تشجير، وهي اختبار حقيقي لقدرتنا كبشر على التصالح مع الأرض التي منحتنا كل شيء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك