إذا كان الرسام والنحات مطالبين بأن يحققا القيم التشكيلية في أعمالهما عن طريق الأبعاد والتوازن والملمس، وشتى العلاقات الأخرى، فإن الخزّاف يحقق ذلك لعمله بمعاناة أشق، فهو مقيد، ثم عليه أن يمضي بعد ذلك في معاناة الخلق الفني، من خلال فيزياء الخزف وكيميائيته وتقنياته.
تلك الأفكار والمشاعر، ربما تمتلك سطوتها في الهواء المضيء لمشهد معرض الخزف السنوي (ما لا تكسره النار) الذي أقامته جمعية التشكيليين العراقيين في مطلع نيسان/ أبريل 2026 بمشاركة (56) خزافاً.
لا يستوقفنا في المشهد إلا ما يدور فيه من حوار بين تلك الكتل الملونة والاشعاع المنتشر حولها، والقيم الجمالية والفنية الخالصة التي جسّدها الخزافون عبر محيط تجاربهم المتنوعة.
يشكّل المعرض السنوي للخزف، الذي تقيمه جمعية التشكيليين العراقيين، محطة نوعية في سياق الحراك يشكّل المعرض محطة نوعية في سياق الحراك التشكيلي العراقي، ليس بوصفه فعالية دورية فحسب، بل بوصفه فضاءً اختبارياً تتقاطع فيه التجارب وتتجاور فيه الرؤى، في لحظة تبدو فيها الحاجة ملحّة لإعادة تعريف علاقة الخزف بالمعاصر والموروث على حدّ سواء.
منذ الوهلة الأولى، يفرض المعرض نفسه عبر اتساع رقعة المشاركة، وهو اتساع لا يُقرأ كمؤشر عددي فحسب، بل كدلالة على حيوية المشهد وتنامي الاهتمام بالخزف بوصفه وسيطاً تعبيرياً قادراً على استيعاب تحولات الذائقة البصرية.
لقد بدا واضحاً أنّ تعدد الأجيال المشاركة أتاح نوعاً من الحوار الضمني بين خبرات راسخة وتجارب شابة، حيث لا يُختزل هذا التعدد في اختلاف الأعمار، بل يمتد ليشمل اختلاف المرجعيات الجمالية والرهانات الفنية.
على مستوى الأساليب، يقدّم المعرض طيفاً واسعاً من المعالجات، يتراوح بين الاشتغال على الشكل الخزفي بوصفه بنية نحتية قائمة بذاتها، وتوظيفه كحامل دلالي يشتبك مع السرد والرمز.
هنا، تتجاور أعمال تميل إلى الاقتصاد الشكلي والتجريد، مع أخرى تستعيد النزعة التعبيرية أو الرمزية، في توازن دقيق يعكس تعددية حقيقية لا افتعالاً أسلوبياً.
هذا التنوع لم يفضِ إلى التشظي، بل أسهم في خلق نسيج بصري غني، يتيح للمتلقي الانتقال بين عوالم مختلفة، من دون انقطاع في الإحساس بوحدة الفضاء العام للمعرض.
واحدة من أبرز سمات هذه الدورة تتمثل في الحضور اللافت للموروث، لا بوصفه مادة لاستعادة الذاكرة، بل كمخزون دلالي يُعاد تأويله ضمن شروط معاصرة.
لقد اشتغل عدد من الفنانين على استحضار العناصر التراثية ـ سواء في الزخرفة أو في البنية الشكلية ـ لكنهم في الوقت ذاته عمدوا إلى تفكيكها وإعادة تركيبها، بما يخرجها من أسر التكرار إلى أفق التجريب.
ويأتي توظيف الحرف العربي هنا كأحد أهم محاور هذا الاشتغال، حيث لم يعد الحرف مجرد عنصر زخرفي، بل تحوّل في بعض الأعمال إلى بنية تشكيلية قائمة بذاتها، تُنتج إيقاعها الخاص وتُسهم في بناء المعنى.
في موازاة ذلك، يمكن رصد نزوع واضح نحو التجديد في المعالجة الفنية، سواء على مستوى التقنيات، أو في كيفية التعامل مع السطح والكتلة.
فقد قدّم بعض المشاركين تجارب تتسم بجرأة ملحوظة، سواء عبر تفكيك الشكل التقليدي للقطعة الخزفية، أو من خلال إدخال عناصر غير مألوفة في البنية العامة للعمل.
أشير بذلك إلى أعمال شنيار عبد الله، ماهر السامرائي، سعد العاني، (أحمد الهنداوي، إذ تعرّض عمله إلى كسر بعض أجزائه أثناء النقل الى قاعة العرض، ما كان أمام الفنان إلا أن يعرضه بالشكل الذي انتهى إليه، بعد أن كان مهملاً لعدة سنوات).
تراث أمين عباس، أحمد جعفر، بشير الحميري، بشار خليل، فريد وحيد، هناء معلة، حسين كامل، إبراهيم حافظ المشايخي.
ابتسام ناجي.
هذه المحاولات، وإن تباينت في مستويات نضجها، تشير إلى رغبة حقيقية في توسيع حدود الوسيط الخزفي، والخروج به من الإطار الوظيفي أو الزخرفي إلى فضاء أكثر انفتاحاً على الأسئلة المعاصرة.
لا تخلو هذه المغامرة من تفاوت، فبعض الأعمال بدا أقرب إلى التجريب غير المكتمل، حيث لم تستقر العلاقة بين الفكرة والمعالجة التقنية بشكل متماسك، في حين نجحت أعمال أخرى في تحقيق توازن لافت بين الجرأة والانضباط، مقدّمة نماذج يمكن التعويل عليها في رسم ملامح حداثة خزفية عراقية.
ومع ذلك، فإن هذا التفاوت يمكن قراءته إيجابياً، بوصفه دليلاً على حيوية المشهد ورفضه للثبات.
أعمال أحمد جعفر، دانة صلاح الدين، حيدر رؤوف، حسنين عبد الأمير، خالد جبار، مهدي عبد الصاحب، محمد شاكر، مصطفى جواد، نبيل مع الله، أسامة أحمد.
سيف الخليفة.
إنّ ما يمنح هذا المعرض أهميته الخاصة، هو قدرته على الجمع بين الحداثة والموروث، من دون الوقوع في فخ التوفيق السطحي.
فالأعمال التي استلهمت التراث لم تنكفئ عليه، كما أن تلك التي انحازت إلى الحداثة لم تقطع صلتها بالجذور.
هذه الجدلية، التي تتبدّى في معظم الأعمال، تفتح أفقاً لتأسيس خطاب خزفي عراقي يمتلك خصوصيته، من دون أن ينغلق على ذاته.
ونحن نرصد أهم أعمال المشاركين يسترعي انتباهنا الحضور المكثف للحرف العربي في بناء وهيكلة العمل الخزفي لدى رعد الدليمي، عقيل مزعل، وسام الصايغ، خالد جبار، سمية عزيز جاسم، التي وظفت الحرف في قطعة لونية ساحرة وأنيقة.
من جانب آخر، فقد ظهرت توجهات فتحت الخزف على مقاربات جريئة صوّر فيها ياسر الهنداوي، زيد لقمان، شهد إحسان، سلام جميل، سلام أحمد مواضيع الحرية وتوق التخطي في أعمال تدخلت فيها الإحالات الجمالية واستعارة الرموز، والتقت في حساسية الخزاف العالية باللون وتمكنه من السيطرة عليه وتوظيفه له بحرية، فأضافت إليه لمسة جمالية أثناء العرض، إذ تعرّض العمل إلى كسر بعضه.
في المحصلة، يمكن القول، إن معرض الخزف في جمعية التشكيليين العراقيين يمثّل نقلة ملحوظة قياساً بدورات سابقة، سواء من حيث حجم المشاركة أو نوعية التجارب المعروضة.
إنه معرض ناجح، لا بمعيار الاكتمال، بل بمعيار القدرة على إثارة الأسئلة وفتح مسارات جديدة أمام الفنانين والمتلقين على حدّ سواء.
ومن هنا، تتأكّد أهميته كمنصة حيوية لإعادة التفكير في الخزف، ليس كحرفة تقليدية، بل كحقل تشكيلي معاصر ينبض بالاحتمالات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك