تثير كتابات ألبير كامو.
Albert Camus (1913-1960) حتى اليوم جدلا لا ينتهي حول هوية الكاتب الثلاثية إسباني-جزائري- فرنسي.
هل هو هوية واحدة تلك الطاغية أي فرنسي أم عجينة بين الثلاثة وذلك ما يشكل تمايزا وغنى وخصوبة إبداعية إذ كثيرا ما تكون هوية العنصر الأحادي فقيرة ومكتفية بذاتها.
اي غير قادرة على رؤية العالم.
تفكيك هذه المعادلة ذات المجهولين بشكل دقيق وفعال.
لم يكن ألبير كامو شخصية عادية ولكن إشكالية، تحتاج إلى قليل من التأمل والتبصر والصراحة.
لقد وجد نفسه داخل حالة معقدة وضعته على الحواف الحادة.
فهو كاتب فرنسي من حيث التنعيت الأصلي العام.
الجانب الفرنسي شديد الطغيان، وإن كان لإسبانيا حق فيه جزئيا من حيث الانتماء العائلي.
أبوه من الذين دافعوا عن فرنسا في الحرب العالمية الأولى وقتل هو يقاوم الطغيان الألماني.
قد دافع عن الحق في ان يكون له هذا الحق في الانتماء الدموي لإسبانيا.
وللجزائر حق أيضا في كامو من حيث الولادة والحياة والتكون والعمل وبداية تشكل هوية جزئية ثالثة.
هل يمكن ان نعيش بدون هويات جزئية لحساب هوية مسيطرة تبتلع كل شيء وهي الهوية الفرنسية كما في حالة ألبير كامو؟ وإذا أمنا بما قاله أمين معلوف في «الهويات القاتلة» سيكون الأمر أكثر تعقيدا إذ على الكاتب ان يلتزم بكل ما يشكل الهوية بشكل تعددي.
فكل العناصر الهوياتية لها حق الوجود في الفرد.
الإنسان يتسم طبيعيا بالتعدد وليس بالأحادية.
وكلما فرضت الهيمنة خسرت الهوية جزءا من جوهرها.
ليس الفرد مجبرا على اختيار هوية واحدة وتبنيها بالخصوص إذا كانت هذه الهوية تقوم بمحو ما انبنت عليه عميقا حياتيا.
مشكلة ألبير كامو انه اختار إحداها، الفرنسية تحديدا، لأسباب يصعب شرحها.
ربما تقف لغة الكتابة والتعبير عن الأحاسيس على رأس هذه الاسباب.
التزم بها وعمل على تطوريها حتى أ٩صبحت هويته الأساسية.
فالهوية الفرنسية من خلال لغة الكتابة هي التي قادته الى نوبل والبروز العالمي.
يمكن ان تقول أن الهوية الفرنسية منحة فرصة الشيوع والتحليل الأدبي.
جائزة «نوبل» التي حصل عليها لا تقع خارج سلطان الهيمنة.
فرنسا كانت تشكل قوة عسكرية وثقافية.
لو افترضنا نفس ألبير كامو كتب بالإسبانية أو العربية لن يكون له حظ الفوز بنوبل وفق نفس المعادلة.
هذا التمايز الكبير كان على حساب مكونين لغويين اساسيين: الإسبانية التي لا تظهر إلا قليلا والتي صفى كامو حسابه معها ادبيا في الجملة الأولى من «الغريب» [اليوم ماتت أمي او البارحة…] اللغة الجزائرية التي يتعلمها ويتكلم بها ساكنة الجزائر في الشارع، لم يلتفت لها ولم يتعلمها.
هناك شيء من الإنكار اللغوي المزدوج لحياب الفرنسية التي ليست لغة الأم ولكنها لغة التبني.
في النهاية أفلت وغابت الأصوات المتعددة في الخيار الهوياتي اللغوي لالبير كامو.
الصوت الإسباني مات أو كاد.
ولا يظهر إلا في تنبيهات ادبية ادبية وعلامات عابرة.
علاقته بالفارين من إسبانيا الحرب الاهلية، علاقته ببيكاسو.
او علاقته الحميمية بماريا كازاريس ذات الأصول الإسبانية والهاربة مع والدها السياسي الكبير من طغيان فرانكو.
والصوت الجزائري الذي لا يحضر إلا كديكور عام لشعب كان يموت في صمت.
صحيح ان ألبير كامو كتب عن البؤس في منطقة القبائل لكنه بقي على حافة الجوهر.
مقاومة الاستعمار كفعل إنساني لم تجد المكان الذي يليق بها في كتابات ألبير كامو.
الجزائري كثيرا ما صور إرهابيا وفق الكتالوغ الكولونيالي الجاهز الذي لم يخترقه ألبير كامو وظل يكتب على حوافه.
لا يعيد النظر لا في مكونات الكولونيالية ولا في بنياتها.
لهذا يصعب جدا ان ينادي كاتب كبير باستعادة الجزئية الجزائرية في هويته.
طغيان الهوية الأحادية دفع به إلى رؤية ما كان يريد رؤيته من داخل نسق الهيمنة.
لم يستطع ألبير كامو ان يحقق نقلة هوياتية عالية.
من السهل القول إن كامو لم يفصل في خياراته لتعقد مساره الحياتي.
فقد اختار بوضوح المسلك الذي يوصله إلى تحقيق ما كان يريده تحت مظلة اللغة الفرنسية التي كانت هي لغة التامل والفكر والإبداع والنجاح بالخصوص [جائزة نوبل].
لهذا تبدو الهوية الكاموية مبتورة جدا ومتعرضة للهتك الإرادي.
وهي خيارات/ معاناة مورست بوعي وليست بالصدفة من طرف الكاتب.
تضاءلت جزئية الهوية الجزائرية بإهمالها.
بل بإنكارها وكأنها غير موجودة على الإطلاق.
هناك عملية محو كلي لا تختلف في شيء عما مدرسة الاستعمال.
لا اعتراف وكأن الجزائر الأخرى الواقعة خارج المنطق الكولونيالي غير موجودة.
الجزئية الإسبانية في النسق الهوياتي العام في المنطق الأوروبي المشترك لم تنج من الإهمال والتهميش دون الإنكار الكلي.
فهو يعترف بها ككيان حي فيه.
يعرف التاريخ الإسباني ويتقن لغة الأجداد وإن كان لا يستعملها إلا عند الحاجة.
وجدانيا اللغة كعنصر هوية موجودة إلا أنها لا ترقى إلى الهوية الفرنسية المتعالية.
لقد اعلن دائما ان لإسبانيا دين عليه.
إسبانيا وطني الثاني.
تشكل إسبانيا لألبير مامو مرجعا ثقافيا مهما.
داخل التهميش تقفز إسبانيا كسند ثقافي مقاوم للمحو.
هذا الموقف الذي تصارعت فيه عناصر الهوية الفرنسية-للإسبانية لم نره عندما يتحدث عن الحالة الجزائرية.
الجزائر التي ولد وكبر فيها وعجن في تربتها لا وجود لها.
مجر مساحة بلا تاريخ ولا هوية.
وحدها الكولونيالية تمنحها الهوية والنعوت التي بين التاريخ ضعفها وعدم صدقيتها.
لهذا من السهل اعتبار الهوية التي تبناعا ألبير كامو هوية في صلب النسق الكونيالي ولا تخرج عنه مطلقا.
التراتبية في العناصر التكوينية للهوية تجر الهوية نحو الهيمنة الفرنسية التي تنكر الجذور الأساسية في التكوين الثقافي.
٠.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك