في الدول المستقرة، يُفترض أن يكون القانون نقطة وضوح لا نقطة غموض؛ مرجعية تنظم العلاقة بين الدولة والاقتصاد، وتمنح الأفراد والمؤسسات قدرة على التنبؤ بالحقوق والالتزامات ومسار القرارات.
لكن في البيئات التي تمر بتحولات عميقة، لا يعود القانون مجرد نص مكتوب، بل يتحول إلى جزء من منظومة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الاعتبارات الإدارية والمؤسسية والسياسية والاقتصادية.
وفي سوريا اليوم، تبدو هذه الإشكالية أكثر حضوراً من أي وقت مضى، فالتحدي لم يعد يكمن فقط في وجود التشريعات أو غيابها، بل في المسافة الفاصلة بين النص القانوني والتطبيق العملي؛ أي في الطريقة التي تُفهم بها القوانين، والكيفية التي تُطبق بها داخل بنية إدارية ومؤسسية ما تزال تعيش حالة إعادة تشكل.
خلال السنوات الأخيرة، صدرت في سوريا مجموعة من القوانين والمراسيم المرتبطة بالاقتصاد والاستثمار، وإعادة تنظيم عدد من القطاعات الحيوية.
غير أن القيمة الفعلية لأي تشريع لا تُقاس فقط بصياغته القانونية، أو نبل مقاصده، بل بقدرته على التحول إلى ممارسة مستقرة وواضحة وقابلة للتنبؤ بالنسبة للمتعاملين بها.
وهنا تحديداً تبدأ الإشكالية الأكثر تعقيداً في الواقع السوري، حيث غالباً ما يصطدم النص التشريعي العام بـ«التعليمات التنفيذية» و«القرارات الوزارية» و«التعاميم المصرفية والنقدية» اللاحقة له.
هذه الأدوات التنفيذية الأدنى مرتبة من القانون، التي تصدرها جهات متعددة قد تأتي أحياناً بقيود وتفسيرات تفرغ القانون الأصلي من مرونته وتسهيلاته أو تضيف أعباء إجرائية تجعل الاستفادة من مزاياه أمرا بالغ الصعوبة.
ففي كثير من الحالات، لا تكون المشكلة في النص نفسه، بل في تعدد مستويات تفسيره، وتباين آليات تطبيقه، واختلاف المقاربات بين الجهات المعنية بتنفيذه.
ومع الوقت، لا يعود القانون إطاراً موحداً ينظم العلاقة بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين، بل يصبح جزءاً من شبكة معقدة من الإجراءات والتقديرات الإدارية، التي قد تختلف من مؤسسة إلى أخرى، أو من حالة إلى أخرى.
ومن هنا، تغيّر السؤال الأساسي الذي يطرحه المستثمر أو الفاعل الاقتصادي.
لم يعد السؤال: «ماذا يقول القانون؟ »، بل أصبح: «كيف سيُطبق؟ ومن هي الجهة التي تملك القرار النهائي؟ وهل يمكن التنبؤ بمسار التطبيق؟ ».
هذا التحول ليس تفصيلاً تقنياً، بل مؤشر على طبيعة المرحلة نفسها.
ففي البيئات المستقرة، تُبنى الثقة على وضوح القاعدة القانونية، أما في البيئات المعقدة، فتُبنى الثقة على وضوح السلوك التنفيذي للمؤسسات.
وفي الحالة السورية، تبدو هذه النقطة شديدة الحساسية، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن مرحلة اقتصادية جديدة، ومحاولات تنشيط بيئة الاستثمار، وإعادة تحريك قطاعات الإنتاج والخدمات والبنية التحتية، لأن أي بيئة استثمارية لا تُقاس فقط بعدد القوانين الصادرة، بل بقدرة المؤسسات على تطبيق هذه القوانين بصورة متسقة ومستقرة.
فالاقتصاد يستطيع التعامل مع القوانين الصعبة، لكنه يواجه صعوبة أكبر في التعامل مع بيئة لا يمكن التنبؤ بقراراتها.
وفي الواقع، فإن جزءاً مهماً من التعقيد القائم اليوم لا يرتبط فقط بالنصوص القانونية، بل باستمرار أنماط إدارية تراكمت عبر سنوات طويلة، حيث تحولت البيروقراطية، وتعدد الموافقات وتداخل الصلاحيات الى جزء من الثقافة التنفيذية نفسها، التي تفضل دائماً اللجوء إلى التفسيرات الأكثر أماناً وحيطة للموظف العام وهي التفسيرات الأكثر تقييداً للمستثمر والفاعل الاقتصادي.
وفي بعض الأحيان، تصبح الفجوة بين القانون وآليات تنفيذه عاملاً مؤثراً في تشكيل المزاج الاستثماري العام أكثر من مضمون القانون نفسه.
فالمستثمر المحلي أو الخارجي لا يقيّم النصوص المجردة فقط، بل يقيّم التجربة الفعلية: سرعة الإجراءات، وضوح المرجعيات، استقرار القرارات، وقدرة المؤسسات على العمل ضمن مسار متماسك.
لهذا، لم يعد دور الاستشارة القانونية قائماً على شرح النصوص فحسب، بل أصبح يتطلب فهماً أعمق للبيئة المؤسسية التي تتحرك ضمنها هذه النصوص.
فالقانون في البيئات المعقدة لا يُقرأ بصورة منفصلة عن السياق، بل يُفهم من خلال شبكة العلاقات بين المؤسسات، وآليات اتخاذ القرار، وطبيعة التفاعل بين الجهات المختلفة.
ومن هنا، فإن التعامل مع التشريعات في سوريا اليوم يتطلب الانتقال من القراءة القانونية المجردة إلى ما يمكن وصفه بـ«الفهم التنفيذي للقانون»؛ أي فهم النص، وسياق تطبيقه، وحدود فعاليته العملية في الوقت نفسه.
وفي المرحلة المقبلة، قد لا يكون التحدي الحقيقي هو إنتاج المزيد من القوانين، بقدر ما سيكون بناء قدرة مؤسسية قادرة على تطبيق هذه القوانين بوضوح وثبات واتساق.
لأن فعالية القانون لا تُقاس فقط بجودة صياغته، بل بقدرة الدولة على تحويله إلى ممارسة مستقرة يمكن الوثوق بها.
وفي النهاية، لا تُبنى البيئة القانونية القوية بعدد التشريعات وحده، بل بقدرة المؤسسات على جعل القانون يعمل بالطريقة نفسها، أمام الجميع، وضمن مسار يمكن التنبؤ به.
وعند هذه النقطة تحديداً، لا يعود القانون مجرد نص تنظيمي، بل يصبح اختباراً لقدرة الدولة نفسها على إنتاج الثقة والاستقرار والوضوح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك