في معركة اختبار القدرة على الردع بين إسرائيل وإيران، التي استمرت لمدة 48 ساعة تقريبا، فشل كل من الطرفين في تحقيق الهدف المطلوب، فلا إيران أوقفت قوة الردع الإسرائيلية الممتدة عبر الحدود في لبنان وغيرها، ولا إسرائيل تمكنت من منع القوة الإيرانية من الوصول إلى قواعدها الجوية دفاعا عن حليفها الرئيسي في لبنان، بعد أن وجه الطيران الإسرائيلي ضربة كبيرة لضواحي بيروت الجنوبية، التي تحتضن مقرات حزب الله.
المعركة التي كان يمكن أن تتسع وتزداد اشتعالا توقفت، لأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أرادها أن تتوقف منذ الساعة الأولى، وبذلك فإن البيت الأبيض ظهر على مسرح الأحداث باعتباره البطل المنتصر، الذي فرض على الطرفين المتحاربين طاعة أوامره.
ومع ذلك فإنه لا يضمن استمرار هدوء تلك الجبهة التي يقف فيها العامل اللبناني في طريق تحقيق مصالح كل من الطرفين سلبا أو إيجابا.
إسرائيل قررت إعادة صياغة معادلة الردع ضد حزب الله في لبنان، بضرب بيروت وتدميرها بأكملها إذا لزم الأمر.
الأمر إذن بالنسبة لتل أبيب يتعلق بإحكام السيطرة على لبنان، وإزالة تهديد حزب الله المتزايد هناك، هذا يعني بالنسبة لإيران إنهاء وجود حليفها الأول في المنطقة، الذي يقف قويا على الطريق بين تل أبيب وطهران، وهي لن تسمح بذلك، لأن من شأن تغييب قوة حزب الله انكشاف الجبهة الإيرانية أمام قوة الردع الإسرائيلية.
في السابق وحتى استشهاد السيد حسن نصر الله كانت حسابات إيران هي، أن حزب الله يستطيع مهاجمة إسرائيل والدفاع عن نفسه وفرض معادلة الردع التي يريدها.
لكن الأمور لا تبدو كذلك في الوقت الحاضر.
طهران باختصار لا تريد أن يقف حزب الله وحده في مواجهة إسرائيل، وإنما هي تؤكد لحلفائها وقيادة الحزب أنها معه.
في هذا السياق تتمسك طهران بأن يكون الحزب وإسرائيل طرفين في اتفاق وقف إطلاق النار بينها وبين الولايات المتحدة، وأن تلتزم إسرائيل بوقف إطلاق النار ضد قوات الحزب.
إسرائيل من ناحيتها، وفي إطار تفاهم مع الولايات المتحدة كانت لا تمانع في تنفيذ نوع من أنواع وقف إطلاق النار مع حزب الله ينطوي على تهدئة مؤقتة وتجنب إشعال الموقف.
في هذا السياق كانت إسرائيل تلتزم – في حدود ضيقة – باستبعاد بيروت من معادلة الردع في لبنان.
لكن عددا من خبراء المؤسسات الأمنية والقيادات السابقة، ومنهم مائير بن شبات رئيس مجلس الأمن القومي سابقا، كانت لهم وجهة نظر أخرى، تتمثل في ضرورة توجيه ضربات عسكرية موجعة إلى العاصمة اللبنانية بيروت، خصوصا مراكز حزب الله في الضاحية الجنوبية.
وقد كتب بن شبات مقالا مهما في هذا الخصوص (إسرائيل هايوم – 18 مايو/أيار ) دعا فيه إلى ضرورة أن تُدخِل إسرائيل بيروت ضمن معادلة الردع في لبنان، وأن تجعل حزب الله يتساءل عما إذا كان استخدام أسلحته، خصوصا الطائرات المسيرة الانتحارية، مجديا، مضيفا أن ذلك لن يتحقق إلا بتدمير المباني والمنشآت في بيروت.
وأشار إلى أن تغيير صيغة الردع أصبح ضروريا أيضا، نظرا لجهود حزب الله لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
وأوضح أن تغيير صيغة الردع ضروري أيضا لمواجهة تهديد طائرات حزب الله المسيّرة المتفجرة المزودة بألياف بصرية، التي تُكبّد الجيش الإسرائيلي خسائر فادحة وتُشكّل تحديا لقدراته التكنولوجية والعملياتية.
وقال بن شبات إنه لا يمكن تحقيق ذلك إلا باستهداف مناطق محددة في ضاحية بيروت.
ليس فقط من خلال عمليات وقائية واغتيالات، بل أيضاً بتدمير المباني وإحداث دمار شامل في قلب مركز الثقل، معقل السيطرة والرمز السياسي والعسكري والاجتماعي لحزب الله في لبنان.
وقال «يجب على إسرائيل أن تُعدّ معادلة ردّ ساحق، وأن تُعلن جهاراً أن أي استخدام لطائرة مسيّرة مفخخة ضدّها سيُقابل بضربة في بيروت».
وانتقد بن شبات ما سماه «التقييد الحالي للقوة النيرانية، تماشياً مع المطلب الأمريكي، الأمر الذي يحول دون استغلال إسرائيل لتفوقها الجوي، ويجبرها على اللعب في ساحة وظروف مواتية لحزب الله».
وذكر أن حزب الله لا ينوي نزع سلاحه، ويهدف إلى إرساء معادلة رد جديدة تجاه إسرائيل، وهو ما يُعدّ سبباً إضافياً لتغيير نهجها في الردع.
وقد ضربت إسرائيل ضاحية بيروت الجنوبية وهي تعلم علم اليقين أن إيران سوف ترد، وذلك تأكيدا لمصداقية سياستها أمام حلفائها.
لكن الأسئلة الكبيرة التي تطرح نفسها بعد القبول بتجميد الضربات على الجانبين كثيرة وتحتاج إلى إجابات شافية.
ومنها، بالنسبة لإسرائيل: هل يكفي التفوق العسكري واحتكار السلاح النووي لتحقيق السلام الذي تريده؟ وهل تستطيع إسرائيل مواجهة إيران بمفردها، من دون دعم أساسي أمريكي؟ وقد أعلن الجيش الإسرائيلي قبل بدء العمليات وخلالها أنه على «تنسيق وثيق» مع القيادة المركزية الأمريكية، وأن الجيش الأمريكي ساهم في إسقاط صواريخ إيرانية.
كما أفاد بأن رئيس أركان الجيش، الفريق إيال زامير، تحدث ثلاث مرات مع قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال براد كوبر.
وبالنسبة لإيران فإن السؤال الرئيسي هو: هل تستطيع القوة الإيرانية توفير القدرة على ردع إسرائيل لمصلحة حلفائها مثل حزب الله ولمصلحتها أيضا في الوقت نفسه؟ إن الإجابة على تلك الأسئلة ترسم خطوط مستقبل الصراع المستمر في الشرق الأوسط.
ولا يستطيع أحد في الوقت الحاضر أن يقدم إجابات شافية لها وغيرها من دون رؤية عمل القوة على الأرض والنتائج المترتبة على ذلك.
وقد ثبت من الاشتباكات العسكرية يومي الأحد والإثنين، أن كلا من الطرفين، إسرائيل وإيران، كان حريصا على توجيه رد متناسب غير منفلت تجاه الآخر، وهو ما يعبر عن رغبة كل منهما في تجنب توسيع نطاق المعركة، وعدم تحويلها إلى حرب مفتوحة.
الغارة الإسرائيلية على بيروت استهدفت مبنى في منطقة المريجة، بما لا يقل عن عشرة صواريخ، وهو العدد الذي أطلقته إيران تقريبا في الرد الأول حسب المصادر الإسرائيلية، وارتفع العدد في اليوم التالي إلى 14 صاروخا، حسب البيانات الإسرائيلية.
وقد أعلن الحرس الثوري أن الضربة الإيرانية استهدفت قاعدة رامات ديفيد الجوية، التي كانت نقطة انطلاق الهجمات الصهيونية على منطقة الضاحية في بيروت بصواريخ باليستية.
وعلى التوازي صرح قائد مقر خاتم الأنبياء بأن على الجيش الإسرائيلي وقف هجماته على جنوب لبنان ومنطقة الضاحية.
وحذر من أنه في حال توسعت ضربات إسرائيل في المنطقة، أو ردت على تحركات إيران، فإنها ستواجه ضربات أشد وطأة.
ومن الملاحظ كذلك أن البيانات التي صدرت عن الجانبين استجابة لطلب الرئيس الأمريكي وقف الهجمات المتبادلة، لم تؤكد سريان توقف العمليات بالنسبة للبنان، ما يجعل الموقف الحالي هشا إلى حد كبير.
وجهة النظر الإسرائيلية هي أن «هذه الجولة من القتال قد انتهت»، حسب تصريح لمسؤول إسرائيلي نشرته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل».
ووجهة النظر في طهران تقول إنها ستوقف إطلاق النار ما لم يواصل الجيش الإسرائيلي هجماته على لبنان.
ولا تريد إسرائيل السماح لإيران بفرض صيغة جديدة للردع تتضمن تأسيس حقها في الرد العسكري على ضربات إسرائيل في لبنان.
ببساطة تريد إسرائيل فصل إيران عن الجبهة اللبنانية، الأمر الذي من شأنه تسهيل توجيه ضربات إلى إيران في المستقبل تتحرر فيها من الخوف من رد هجومي بواسطة حزب الله.
ومع ذلك، فإن إيران لا تزال تمسك في يديها أوراقا كثيرة تستطيع اللعب بها بسهولة لإحداث أضرار كبيرة لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
ومع أن ترامب يلوح مرة بعد الأخرى باستمرار الحصار البحري على إيران، معتقدا أن تداعياته أهم من تداعيات الحرب، فقد نجحت إيران تحت الحصار في خلق واقع جديد في مضيق هرمز، فيما يتعلق بتنظيم الملاحة مقابل رسوم، وهي تسعى للمحافظة عليه ليصبح موردا مشتركا للسيولة الدولارية، تتقاسم إيراداته مع سلطنة عمان.
كما لا تزال تملك القدرة على تهديد الخدمات اللوجستية والبحرية والمعلوماتية عبر مضيق هرمز، وكذلك عبر باب المندب.
ولا تزال تدخر قوة مختزنة مؤثرة في اليمن والعراق، يمكنها أن تسهم في الإضرار بمصالح الولايات المتحدة وحلفائها.
معركة اختبار القدرة على الردع هذه المرة توقفت بمجرد أن بدأت، لكنها لم تنته بعد.
ولا شك في أن مراكز التفكير واتخاذ القرار في كل من واشنطن وطهران وتل أبيب سوف تجد أمامها الكثير من القضايا والمسائل التي تحتاج إلى حلول قبل أن تتجدد الاشتباكات مرة أخرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك