عمان- هيمنت قضايا عدالة توزيع المياه وإدارة الموارد المائية المشتركة مع دول الجوار على جانب مهم من نقاشات ورشة عدالة قطاع المياه، محفزة على طرح تساؤلات حول آليات اتخاذ القرار المتعلقة بتوزيع المياه بين القطاعات المختلفة، ومدى انعكاس ذلك على مفهوم العدالة المائية.
وتناول النقاش، خلال الجلسة التي نظمتها مؤسسة فريدريش إيبرت ضمن سلسلة “حوارات العدالة” والتي قامت أيضا بعقد عدد من الجلسات القطاعية السابقة، متطلبات تحقيق عدالة المياه في الأردن، والتحولات التي شهدها هيكل استهلاك المياه خلال العقود الماضية، وسط تساؤلات عن الجهات التي تحدد نسب التخصيص بين القطاع الزراعي والاستخدامات المنزلية والقطاعات الأخرى، في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه المملكة، وضرورة تحقيق توازن بين الأمن الغذائي والاحتياجات المعيشية للمواطنين.
وتطرق المشاركون للتفاوت بالتزويد المائي بين المناطق، معتبرين أن عدالة التوزيع لا تقتصر على حجم الموارد المتاحة، بل تشمل أيضا ضمان وصول المياه للمواطنين وفق معايير عادلة ومستدامة.
وفي ملف المياه المشتركة، أكد المجتمعون أن الأردن يواجه تحديات إقليمية معقدة تتعلق بالموارد المائية العابرة للحدود، مشيرين لتأثر المملكة تاريخيا بشكل مباشر بالممارسات المائية لدول الجوار، سواء على صعيد المياه السطحية أو الجوفية.
وأوضحوا أن الأردن تعرض على مدى سنوات طويلة لضغوط كبيرة على موارده المشتركة، سواء عبر تراجع التدفقات المائية أو التعديات على مصادر المياه، الأمر الذي انعكس على حجم الحصص الواصلة للمملكة مقارنة بما كان متاحا تاريخيا.
ولفتوا إلى أن ملف المياه المشتركة يخضع لمفاوضات وحوارات مستمرة عبر اللجان الفنية المشتركة، إلا أن جزءا كبيرا من هذا الملف يرتبط بالاعتبارات السياسية والإقليمية، ما يجعل الوصول للحقوق المائية الكاملة تحديا يتجاوز الجوانب الفنية والقانونية.
وبينوا أن اتفاقيات المياه القائمة تحدد حقوقا والتزامات واضحة، غير أن تطبيقها على أرض الواقع يواجه تعقيدات متعددة، في ظل غياب آليات دولية ملزمة وقادرة على فرض تنفيذ الاتفاقيات أو تسوية النزاعات المائية بشكل حاسم.
وتناولت النقاشات التحديات المرتبطة بحوض اليرموك، حيث أشار المشاركون لمساهمة التغيرات التي شهدها الحوض خلال العقود الماضية، سواء من حيث إنشاء السدود أو التوسع باستغلال المياه الجوفية، في تراجع الكميات المتدفقة إلى الأردن، وهو ما أكدته دراسات ومشاريع بحثية متخصصة اعتمدت على التقنيات الحديثة في مراقبة الموارد المائية.
وأكد المشاركون أن إدارة ملف المياه المشتركة تتطلب مواصلة الجهود الدبلوماسية والفنية، وتعزيز التعاون الإقليمي، إلى جانب تطوير السياسات الوطنية الهادفة إلى تقليل الاعتماد على المصادر الخارجية وتنويع موارد المياه المحلية.
وفي السياق ذاته، نبه متحدثون من استمرارية مواجهة القانون الدولي للمياه لتحديات تتعلق بضعف آليات التنفيذ، إذ إن العديد من الاتفاقيات الدولية تعتمد على التوافق بين الدول أكثر من اعتمادها على جهات قادرة على فرض الالتزام، ما يزيد من تعقيد النزاعات المتعلقة بالموارد المائية المشتركة.
وشدد المشاركون على أن ضمان الأمن المائي في الأردن يتطلب التعامل مع ملف المياه بصفته قضية استراتيجية ترتبط بالسيادة والتنمية والاستقرار، وتستدعي رؤية بعيدة المدى تجمع بين العمل الدبلوماسي والتخطيط الفني والإدارة الرشيدة للموارد المتاحة.
وارتكزت الجلسة السابعة من سلسلة “حوارات العدالة”، بشكل خاص على قطاع المياه، وذلك للأهمية البالغة التي يحظى بها هذا القطاع على أجندة صانعي السياسات والخبراء في الأردن، مستهدفة مناقشة مفهوم الانتقال العادل في قطاع المياه، بمشاركة ممثلين عن الحكومة والعمال والشركاء المعنيين بالقطاع كافة.
وأكد المشاركون في الورشة تجاوز ملف المياه في الأردن كونه قضية خدمية ليصبح قضية أمن وطني ترتبط بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، مشيرين لتداخل تحدياته ما بين أبعاد فنية ومالية وإدارية ومناخية، ما يتطلب تبني نهج متكامل في الإدارة والتخطيط.
وشدد المجتمعون على أن عدالة قطاع المياه تتطلب مواصلة تطوير السياسات والخطط الوطنية، وتعزيز كفاءة الإدارة، وتوسيع استخدام المياه المعالجة، ودعم المزارعين.
وذلك إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية والكوادر البشرية، باعتبار أن أمن المياه يمثل أحد الركائز الأساسية للأمن الوطني والتنمية المستدامة.
وأشار المختصون إلى أن قراءة واقع القطاع خلال العقدين الماضيين، تظهر حجم الضغوط المتراكمة على الموارد المائية، في ظل النمو السكاني والتغيرات المناخية وتراجع المصادر التقليدية للمياه، مؤكدين أن الأردن بات يواجه تحديات غير مسبوقة نتيجة الجفاف، وتراجع مخزون المياه الجوفية، واستنزاف الآبار التي ينخفض منسوب بعضها سنويا بمعدلات مقلقة.
ولفتوا إلى أن العدالة المائية لا تقتصر على الجوانب الفنية، بل ترتبط أيضا بالبعد السياسي والاجتماعي، حيث ينعكس نقص التزويد المائي على حياة المواطنين، خاصة في المناطق التي تصلها المياه مرة واحدة أسبوعيا أو كل أسبوعين، ما يفرض أعباء إضافية على الأسر ويخلق تحديات تتجاوز الإدارة التشغيلية للقطاع.
كما ناقشت الورشة قضية إعادة استخدام المياه المعالجة بصفتها أحد الحلول الاستراتيجية لمواجهة الشح المائي، مؤكدين أن الأردن يعد من الدول المتقدمة في هذا المجال، حيث يعاد استخدام ما يتجاوز 90 % من المياه المعالجة، إلا أن تطوير هذا المسار يتطلب استمرار العمل على تحسين نوعية المياه ورفع كفاءة محطات المعالجة وتوفير موازنات كافية لأعمال الصيانة والتحديث.
وأشار المشاركون إلى مساهمة تأثير تباين جودة المياه الخارجة من بعض المحطات، على تقبل المزارعين لاستخدامها، خاصة في ظل ارتفاع نسب الملوحة في بعض المناطق، ما يدفع بعضهم إلى تغيير أنماطهم الزراعية أو العزوف عن زراعة محاصيل معينة، وهو ما يستدعي تعزيز الشراكة مع القطاع الزراعي وتكثيف برامج التوعية والإرشاد.
وفيما يتعلق بإدارة السدود، أكد المشاركون أن التغيرات المناخية وتكرار مواسم الجفاف فرضت تحديات إضافية على عمليات التخزين وإدارة الرواسب، مشيرين إلى أن الجهات المعنية تنفذ خططا لأعمال التنظيف والصيانة والتعامل مع التحديات التشغيلية التي تواجه بعض السدود، بالتوازي مع إجراءات للحد من المخاطر وتعزيز جاهزية البنية التحتية.
كما تناولت النقاشات مفهوم الإدارة المتكاملة للموارد المائية، الذي يقوم على إشراك مختلف الجهات ذات العلاقة، بما فيها المزارعون والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية، بهدف تحقيق الاستخدام الأمثل للمياه وضمان استدامة الموارد المتاحة.
وشدد المشاركون على أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص وثبوت نجاحها في عدد من مشاريع المياه، داعين إلى توسيع هذا النموذج بما يسهم في رفع كفاءة الخدمات وتحسين الإدارة التشغيلية للقطاع.
وفي ملف إدارة المخاطر والطوارئ، بين المجتمعون أن النظرة المؤسسية للتعامل مع الأزمات شهدت تطورا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، عبر إعداد خطط استباقية والتنسيق مع مختلف الجهات المعنية، بما في ذلك إدارة الأزمات والأجهزة المختصة، للتعامل مع الفيضانات والتقلبات المناخية وغيرها من التحديات التي قد تؤثر على قطاع المياه.
وتعد “حوارات العدالة” سلسلة من الجلسات النقاشية الهادفة إلى خلق حوارات تفاعلية خاصة بكل قطاع حول مفهوم “الانتقال العادل” في مختلف أنحاء الأردن، وذلك عبر الجمع بين الأبعاد التقنية وإتاحة المجال أمام جميع الأطراف المعنية للتعبير عن آرائهم.
وتهدف هذه الجلسات إلى تناول مفهوم الانتقال العادل من منظور قطاعي، والاستماع إلى مختلف أصحاب المصلحة للوصول إلى فهم جمعي لهذا المفهوم في السياق الأردني.
جانب من جلسة نظمتها مؤسسة فريدريش إيبرت ضمن سلسلة “حوارات العدالة”-(من المصدر).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك