في تقرير سياسي صاغه الكاتب روبرت تايت ونُشر في صحيفة الغارديان البريطانية بتاريخ الثالث من يونيو 2026، واجه رضا بهلوي، ابن شاه إيران المخلوع، ضغوطاً متزايدة دفعته للنأي بنفسه عن الإرث الدموي لجهاز الأمن والاستخبارات السابق السافاك.
ويستعرض التقرير تفكيكاً لآليات الترويج والدعاية التي يعتمد عليها تيار الشاه في المغترب، رابطاً هذا الحراك بالهشاشة السياسية والانقسامات الحادة التي تعيشها جبهة بهلوي.
وتكشف الوقائع الميدانية والسياسية المفصلة في التقرير كيف أن محاولات إعادة إحياء رموز الاستبداد الشاه البائد قد ارتدت سلباً على شرعيته المدعاة، معرية الممارسات الفاشية والإقصائية لأتباعه، ومؤكدة عزلة هذا التيار عن الواقع الميداني في الداخل الإيراني.
المظاهر الفاشية وإعادة إنتاج أدوات الديكتاتوريةشهدت المسيرات الأخيرة المؤيدة لرضا بهلوي في العواصم الغربية تحولات مقلقة أثارت موجة من الإدانة؛ حيث قام أنصاره برفع لافتات وارتداء قمصان تحمل شعار جهاز السافاك، وهو الجهاز الذي أُسس ودُرّب برعاية أمريكية وإسرائيلية، وارتبط في ذاكرة الشعب الإيراني بأبشع صور التعذيب، والرقابة، وتكميم الأفواه طوال عهد الشاه السابق.
ولم تقتصر مظاهر الانفلات عند هذا الحد؛ ففي تجمع حاشد عُقد بمدينة ميونخ الألمانية في شهر مارس الماضي، رفع أحد الأنصار لافتة تحمل شعار أمة واحدة، علم واحد، قائد واحد، وهي الصياغة التي تحاكي بشكل متطابق لغة الدعاية النازية الداعمة لأدولف هتلر.
وامتداداً لهذه السلوكيات الإقصائية، تعرض الصحفيون لحملات ترهيب لفظي واعتداءات من قبل أتباع بهلوي.
وأظهرت مقاطع فيديو جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي تعرض الإعلامية البارزة في شبكة سي إن إن المسيحية أمانبور لإساءات لفظية حادة من قِبل أنصار بهلوي، جراء وصفها له في إحدى المقابلات بـ المطالب بالعرش.
كما يفرض هذا التيار إرهاباً لفظياً على المراسلين الذين لا يخاطبونه بلقب ولي العهد رضا، ويرفضون مناداته بلقب السيد بهلوي.
وبحسب المحلل السياسي المتابع للشؤون الإيرانية علي رضا نادر (وهو حليف سابق انشق عن بهلوي)، فإن بهلوي بات يتسامح بشكل مطلق مع المتطرفين من اليمين الفاشي في معسكره، متخذاً شخصية يمينية متطرفة موالية لإسرائيل، ومبتعداً بالكامل عن المظهر الليبرالي الديمقراطي الذي كان يدعيه سابقاً.
السلوك الشخصي لبهلوي والارتباط بالخارجعكست اللقاءات المباشرة لرضا بهلوي مع وسائل الإعلام حدة النزعة السلطوية لديه؛ ففي مؤتمر صحفي عُقد في برلين خلال شهر أبريل الماضي، قام بهلوي بقطع الحديث بشكل فج ومفاجئ عن صحفية حاولت طرح سؤال استيضاحي، ودخل في مشادة كلامية حادة مع مراسل آخر سأله صراحة عما إذا كان عميلاً لإسرائيل.
تلا ذلك بثه مقطع فيديو هاجم فيه الصحفيين واتهمهم بـ إسكات أصوات معارضي النظام الحاكم في طهران.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، أظهر بهلوي اعتماداً كاملاً على الأجندات الخارجية؛ حيث أعلن تأييده المطلق للضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد المنشآت الإيرانية.
وشن هجوماً على رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر متسقاً مع اتهاماته السابقة للحكومات الأوروبية بـ الاسترضاء، ومشبهاً إياه بـ نيفيل تشامبرلين.
كما انتقد مؤخراً دونالد ترامب متسائلاً عن جدوى إشاراته المتناقضة وتهديداته بتدمير الحضارة الإيرانية.
وفي محاولة لخطب ود القاعدة الانتخابية لترامب، حضر بهلوي مؤتمر العمل السياسي المحافظ (CPAC) في تكساس، بالرغم من التقارير الحالية المقربة من ترامب والتي تكشف عن شكوكه الكبيرة في قدرات بهلوي، حيث وصفه ترامب بـ الأمير الخاسر بحسب ما نقلته مجلة نيويوركر.
العزلة الميدانية ومآلات التصفية الجسدية للمنشقينتزامن هذا التراجع السياسي مع قضايا جنائية بالغة الخطورة ارتبطت بالصراع الداخلي لمعسكر بهلوي؛ حيث عُثر في شهر مارس الماضي بمدينة فانكوفر الكندية على جثة المعارض مسعود مسجودي (وهو حليف سابق انشق عن بهلوي بعد انتقاده لتوجهاته السلطوية).
وجاءت تصفيته بعد إعلانه علناً عن وجود مخطط لتصفيته الجسدية من قِبل مجموعة من الناشطين.
ووجهت السلطات الكندية تهمة القتل العمد من الدرجة الأولى لناشطين مناهضين للنظام الحالي (مهدي أحمد زاده رضوي وآرزو سلطاني)، في حين تلقى منشقون آخرون — ومنهم المحلل علي رضا نادر — تهديدات بالتصفية عبر الإنترنت عقب الحادثة.
وفي تفكيكه لواقع بهلوي، قدم البروفيسور في جامعة جونز هوبكنز، ولي نصر، مقارنة تاريخية لاذعة تشبه وضع رضا بهلوي بفيلم الإمبراطور الأخير لبيرناردو برتولوتشي.
وأوضح نصر أن بهلوي، تماماً كالإمبراطور الصيني الأخير بو يي الذي تعاون مع الاحتلال الياباني لاستعادة عرشه في ثلاثينيات القرن الماضي قبل أن يموت في عزلة، قد ذهب إلى منشوريا تحت رعاية عدو يحاول تدمير إيران.
وأكد نصر أنه مع استمرار النزاع، أصبح بهلوي عديم الأهمية ولا قيمة له؛ لكونه لا يمتلك شخصاً واحداً داخل إيران يمكنه القول إنه يمثله على الأرض، فالعمل الميداني يتطلب تخطيطاً وتنظيماً يفتقر إليه بهلوي بالكامل.
تثبت المعطيات والوقائع الواردة في تقرير صحيفة الغارديان لعام 2026 أن المواجهة الحقيقية والجذرية لا مكان فيها لإعادة إنتاج الأنظمة البائدة أو الرهان على كيانات هشة تصنعها الأجندات الخارجية.
إن لجوء أنصار رضا بهلوي لتمجيد الفاشية وجهاز السافاك يبرهن على عدم أهليتهم لبناء مستقبل ديمقراطي.
ومن خلال العزلة المطلقة لهذا التيار في الشارع الإيراني، يتضح لصناع القرار الدوليين أن البديل الديمقراطي المستقبلي لإنقاذ البلاد لا يمر عبر الخيارات الوراثية أو الولاءات الأجنبية، بل عبر فرض إرادة الشعب الرامية لإسقاط الديكتاتورية الدينية وتأسيس دولة حديثة تقوم على السيادة الشعبية ومبدأ فصل الدين عن الدولة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك