في السياسة، ليست كل الاستقالات خسارة منصب، وبعض المغادرات تكون أعلى صوتاً من البقاء، وحين يطلب سياسي بحجم سمير الرفاعي مغادرة موقعه بإرادته، فإن الخبر لا يقف عند حدود الاستقالة، بل يبدأ منها، فالرجل الذي شغل مواقع متقدمة في الدولة، وكان قادراً على الاستمرار في موقعه سنوات أخرى، اختار أن يبعث برسالة سياسية هادئة، لكنها عميقة الدلالة وهي أن التحديث الحقيقي لا يقاس بعدد الشعارات التي نرفعها، بل بقدرتنا على ممارسة ما ندعو إليه.
اضافة اعلانفي القراءة الفنية للخطوة، تبدو الاستقالة منسجمة تماماً مع الخطاب الذي تبناه الرفاعي خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد قيادته للجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، فالرجل لم يتحدث عن تجديد النخب بوصفه فكرة نظرية، بل عاد ليطبقها على نفسه، وهنا تكمن قوة الرسالة، إذ إن أصعب أشكال التحديث هو ذلك الذي يبدأ من الذات قبل مطالبة الآخرين به.
سياسياً، تحمل الخطوة دلالات تتجاوز شخص الرفاعي.
فالأردن يعيش منذ سنوات مرحلة إصلاح وتحديث سياسي تقوم على توسيع المشاركة وإفساح المجال أمام أجيال جديدة من القيادات الحزبية والإدارية والسياسية، وفي هذا السياق، فإن مغادرة شخصية تمتلك هذا الرصيد من الخبرة والمكانة تعطي بعداً عملياً لفكرة تداول الأدوار، وتؤكد أن التحديث ليس موجهاً لفئة دون أخرى، بل هو مسار مستمر يشمل الجميع.
اللافت أيضاً أن الرفاعي لم يغادر تحت ضغط سياسي، ولم يخرج نتيجة خلاف أو أزمة، بل اختار توقيت خروجه بنفسه.
وهذا ما يمنح القرار ثقله المعنوي، فالاستقالة الطوعية في الحياة العامة غالباً ما تكون أكثر تأثيراً من الاستقالة المفروضة، لأنها تعكس قناعة لا ظرفاً.
أما في القراءة المستقبلية، فإن الرسالة الأهم قد تكون موجهة إلى النخبة السياسية والإدارية الأردنية بأكملها، فالتحدي الذي يواجه أي مشروع تحديث لا يتمثل فقط في إنتاج قيادات جديدة، بل في استعداد القيادات القائمة لفتح المجال أمامها، فالأجيال الجديدة لا تتقدم بمجرد الرغبة، بل عندما تجد مساحة حقيقية للحضور والمشاركة واتخاذ القرار.
ومن زاوية أخرى، فإن الاستقالة تعيد طرح سؤال مهم حول العلاقة بين الخبرة والتجديد، فالتحديث لا يعني إقصاء أصحاب الخبرة، كما أن الخبرة لا ينبغي أن تتحول إلى احتكار دائم للمواقع، والمعادلة الناجحة هي تلك التي تسمح بانتقال الأدوار بسلاسة، بحيث تبقى الخبرة مرجعية وطنية، فيما تتولى الأجيال الجديدة مسؤولية التنفيذ والقيادة.
ربما لم تكن الرسالة التي أراد الرفاعي إيصالها مرتبطة بعضوية مجلس الأعيان بحد ذاتها، بقدر ما كانت مرتبطة بفكرة أوسع أن الدولة القوية ليست تلك التي تتمسك بالأشخاص، بل تلك التي تنجح في صناعة البدائل وإعداد القيادات وتجديد الدماء باستمرار.
ولهذا قد لا يُسجل التاريخ هذه الخطوة باعتبارها استقالة من موقع رسمي فقط، بل باعتبارها نموذجاً عملياً لمسار التحديث السياسي الذي تتبناه الدولة الأردنية، فحين ينسجم السلوك مع الرؤية، تتحول مخرجات التحديث من نصوص وخطط إلى ممارسات ملموسة تعزز الثقة بجدية المشروع الإصلاحي.
وهنا يصبح السؤال الأهم إذا كان أحد أبرز رموز الدولة وأحد مهندسي مشروع تحديث المنظومة السياسية قد اختار أن يترجم مبادئ التحديث بالفعل لا بالقول، فهل تلتقط بقية المؤسسات والنخب الرسالة ذاتها؟ أم أن التحديث سيبقى شعاراً نتحدث عنه أكثر مما نمارسه على أرض الواقع؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك