طبيعي أن ينعكس تنفيذ مشروع الناقل الوطني على حجم مديونية قطاع المياه.
فمشروع بهذا الحجم وبهذا المستوى من الأهمية يحتاج إلى مبالغ ضخمة لكي يرى النور.
فتنفيذ المشروع يحتاج إلى مليارات الدولارات التي تعجز موازنة الدولة عن توفيرها إلا من خلال قروض ومساعدات وشراكات تكون محصلتها زيادة في الكلفة وارتفاعا في حجم مديونية القطاع أولا ومديونية الدولة ثانيا.
اضافة اعلانغير أن اللافت هنا ما نتابعه من تناقضات في تصريحات المسؤولين عن قطاع المياه.
منها ما يتعلق بكلفة المشروع العملاق ـ قياسا بالواقع الأردني ـ ومنها ما يتحدث عن حجم مديونية القطاع بشكل عام.
ومنها ما يمس الخطط والاستراتيجيات التي قيل أنها تحكم القطاع وترسم طريقه لعقود مقبلة.
التناقض لا يتعلق بتصريحات قد يقال أنها نقلت مجتزأة، أو فهمت خطأ، وإنما بوثائق احتاج وضعها وإقرارها إلى وقت وكلفة، وتم الكشف عن مفاصلها الأساسية بما في ذلك مديونية القطاع وكيفية التعامل مع هذه المديونية إداريا وماليا.
من ذلك الاستراتيجية الوطنية للمياه، التي يفترض أن تغطي الأعوام ما بين 2023 و 2040.
وتتناول مسائل الحفاظ على الأمن المائي، وتوفير المصادر المائية ـ ومنها الناقل الوطني، وتخفيض الفاقد بنسبة 2 بالمائة سنويا، وتعزيز البيئة التشريعية والقانونية للحد من الاعتداءات على مصادر المياه سواء خطوط وشبكات المياه أو حتى المياه الجوفية.
وفي الشق الآخر تعزيز الموارد المالية للقطاع بتعديل آليات احتساب وتحصيل الفواتير، ورفع أسعار المياه ضمن برنامج يغطي الفترة ما بين 2024 و 2028، وبواقع 6، 4 بالمائة سنويا مع تحويل القراءات من ربعية إلى شهرية.
ما رفع الكلفة الفعلية على المشتركين المنزليين بأكثر من مائة بالمائة.
وبعد تطبيق المراحل الثلاث الأولى من خطة الرفع تشير تصريحات المسؤولين إلى أن المديونية قاربت الخمس مليارات دولار، بارتفاع يناهز المليارين، وأنها سترتفع إلى 15 مليار دولار بعد تنفيذ مشروع الناقل الوطني، الذي ارتفعت كلفته أيضا، وأن تعرفة المياه سيتم رفعها تبعا لذلك.
بالطبع هناك إجماع على أهمية تنفيذ الناقل الوطني الذي يوفر 40 بالمائة من الاحتياجات المنزلية.
وهناك إقرار بأن المملكة تعاني من شح في المصادر المائية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه، هل نجحت الدولة الأردنية في إدارة مصادرها المائية بالشكل الذي يتواءم مع الاحتياجات المتصاعدة للماء؟قد لا يجد البعض صعوبة في الإجابة على هذا السؤال.
غير أن لسان حال الشارع يشير إلى جملة من المعطيات التي قد تؤشر على خلل ما.
فمن حيث المبدأ، ما زالت نسبة الفاقد من المياه مرتفعة جدا وتصل ـ بحسب بعض الأرقام ـ إلى 47 بالمائة قد تزيد أو تنقص قليلا، وأن جميع الخطط التي أعلنت ورصد لها ملايين الدنانير لم تجد نفعا في تحقيق الخفض.
ومن جهة ثانية، فإن حملات الكشف عن سرقات المياه، سواء لبيعها من جديد أو للزراعة أو لأية مجالات أخرى وكانت محصلتها سرقة عشرات الملايين من الأمتار المكعبة من المياه لم تأت بنتائج إيجابية تساوي حجم المشكلة.
فتقارير القضاء الخاصة بالعفو العام الأخير تشير إلى أن غالبية الذين تم ضبطهم والذين أحيلوا إلى القضاء وصدرت بحق بعضهم أحكاما خرجوا بموجب العفو.
وهناك ملف شائك ما زال قائما، ويستنزف النسبة الكبرى من مياه حوض الديسي وبأكثر مما يجود به مشروع الديسي نفسه.
فبعض المزارع العملاقة في منطقة الديسي المؤجرة « ببضعة قروش للدونم» منذ عقود حصلت وما زالت تحصل على مئات الملايين من الأمتار المكعبة من المياه الصالحة للشرب سنويا، وتقوم بتصدير إنتاجها إلى الخارج على شكل خضراوات.
فما الذي يحدث لو أن الدولة قررت استعادة تلك الأراضي ووقف تلك العقود بحكم الحاجة الماسة للمياه لغايات الشرب؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك