كلما ذكرت الشريعة في الخطاب المعاصر تبادر إلى الأذهان صورة العقوبات والحدود، حتى كأن الإسلام لم ينزل إلا ليعاقب، أو ليطارد المذنبين، وهذه الصورة ليست نتاج قراءة علمية متأنية للنصوص، بقدر ما هي نتيجة اختزال الخطاب الإسلامي في جزء يسير من نظامه المتكامل الواسع، فآيات القرآن الكريم تجازوت ستة الآف آية، بينما آيات العقوبات لم تأخذ إلا مساحة يسيرة منها، فهل يعقل أن يختزل التشريع الإسلامي في هذه المساحة المحدودة للغاية، بينما تمتلئ صفحات القرآن والسنة في الحديث عن التوبة والرحمة والعدل والإصلاح وتزكية النفس وبناء الإنسان، ولماذا يتحمس البعض للحديث عن العقوبات أكثر من تحمسهم للحديث عن القيم التي جاءت العقوبات أصلاً لحمايتها؟ وما هذا الشره في حب الانتقام الذي تعاني منه بعض مجتمعاتنا العربية، والتشفي بمن أذنب أو أخطأ، لإنزال أشد العقوبة به؟ اضافة اعلانهنا نحتاج إلى وقفة معمقة لفهم هذا السلوك، فالشريعة التي افتتحت بالرحمة، وجعلت مقصدها الأعظم هداية الإنسان وصيانة كرامته وتحقيق مصالحه، لا يمكن أن تفهم فقط من خلال العقوبة وحدها، كما لا يمكن فهم الطب من خلال العمليات الجراحية، فالعملية الجراحية ليس غاية الطب، وإنما وسيلة استثنائية لحماية الحياة عندما تستنفذ وسائل الوقاية، وكذلك العقوبة في الإسلام فهي وسيلة، وليست الهدف الذي تسعى إليه الشريعة، وإنما الملاذ الأخير لحماية المجتمع عندما تنتهك الحقوق، ويهدد الأمن والسلم المجتمعي.
إن القراءة المقاصدية تكشف أن العقوبات في الإسلام لم تشرع للانتقام من المجرم، وإلا لم تفتح باب التوبة، وإنما لتحقيق المقاصد الكبرى التي تدور كلها حول: حماية النظام العام، ومنع الاعتداء، وإعادة التوازن الذي اختلت به الجريمة، فقبل أن تشرع العقوبات والحدود شرع الإيمان والأخلاق والقيم وتزكية النفس، حتى وصل المجتمع إلى مرحلة كبيرة من نقاء السريرة، وحسن السلوك، وبناء الضمير، وهذا التدرج في نزول الأحكام الشرعية ليس عرضياً، بل يعكس فلسفة أعمق في تركيز الإسلام على بناء الإنسان وإصلاحه، قبل الذهاب إلى الترهيب بالعقوبة والنيل من المخطئ.
ولهذا نجد أن القرآن قدم العفو على الانتقام، وفتح أبواب التوبة قبل أن يأخذ بالعقوبة، وأقام جسور الإصلاح قبل التمادي في الخصومة، يقول تعالى: « فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان»، فالشريعة لا تنظر إلى المذنب على أنه عدو يجب التخلص منه، بل نظرت إلى الخطأ على أنه جزء من الطبيعة البشرية، ولذا لم تبن السياسة العقابية في الإسلام على التوسع في العقوبة، وإنما على التضييق، فجاءت قواعد الستر والعفو ودرء الحدود بالشبهات، وتشديد شروط الإثبات والشهود في وقوع الجريمة، لتؤكد أن المقصد ليس البحث والتشهير بالمذنبين، بقدر ما هو حماية المجتمع، وإعطاء فرصة للتوبة والعودة إلى جادة الصواب، ونجد أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يُعرض عن بعض من جاء معترفاً بذنبه، ويكرر عليه السؤال ويفتح له أبوب الرجوع، وكأن الرسالة الضمنية هي أن التوبة الصادقة خير من العقوبة متى أمكن تحقيق المقصود منها.
وهذا لا يعني التقليل من أهمية نظام العقوبات في ردع أصحاب النفوس الضعيفة، وحماية المجتمع من آثار الجريمة، وردع المعتدين وصيانة الحقوق، ولذلك وصف الفقهاء العقوبات: بأنها زواجر وجوابر، زواجر تمنع الاعتداء وتحمي الأمن العام، وجوابر تجبر الخلل الذي أحدثته الجريمة، وتعيد الاعتبار للحق المعتدى عليه.
ومن أعظم التحولات الحضارية التي أحدثها التشريع الإسلامي أن جعل العقوبة منوطة بالسلطة، فهي الجهة الوحيدة المخولة بإصدار الأحكام وإدانة المجرمين، وليس للفرد أن يقتص لنفسه، وبهذا يكون قد نقل المجتمع من منطق الثأر إلى منطق الدولة، ومن الانتقام الفردي إلى العدالة المؤسسية، ومن هنا شرع القصاص، وحرم الثأر، كما في قوله تعالى: » ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب»، لأن المقصود من العقوبة ليس إزهاق الحياة، بل حماية الحياة، وليس توسيع دائرة العنف، بل إغلاقها.
فالشريعة لم تجعل العقوبات محور رسالتها، ولكنها آخر خطوط الدفاع عن القيم، فعندما تفشل وسائل التربية والإصلاح والوقاية، يتدخل نظام العقوبات انتصاراً للعدل، وحماية للإنسان والمجتمع، وصيانة للكرامة الإنسانية ومقاصدها العليا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك