الكوميديا الإلهية: العرب بين الأيديولوجيا والتكنولوجياما الذي يجمع بين ضرب مطار ومنشآت مدنية في الكويت والبحرين، واستهداف حقل غاز في قطر، ومرافق وفنادق في الإمارات، وتهديد منشآت حيوية في السعودية؟ ثمة خيط ناظم يجمع بينها جميعاً، تقنيات حديثة تُسخّرها مشاريع أيديولوجية لا لبناء المدن، بل لتهديدها؛ لا لحماية الاستقرار، بل لزعزعته.
وهنا لا تكمن خطورة السلاح في دقته فحسب، بل في العقلية التي قررت أن تجعل من المنجزات الحضارية أدوات لإنتاج الفوضى.
وهنا تحديداً تبرز الإشكالية التي تشكل جوهر الأزمة في الشرق الأوسط، هل تكمن في التكنولوجيا نفسها أم في العقيدة السياسية التي توظفها؟ مما يعيدنا إلى ملحمة دانتي أليغييري «الكوميديا الإلهية».
ففي عالم دانتي لم يكن الجحيم مجرد مكان للعقاب، بل نتيجة طبيعية لانتصار الأهواء والأفكار المنحرفة على العقل والحكمة.
وكان الجحيم في جوهره انعكاساً أخلاقياً لأفعال البشر واختياراتهم.
مفهوم أدوات الصراع بعد أكثر من سبعة قرون من ملحمة دانتي، يبدو أن المنطقة تواجه نسخة حديثة من ذلك الجحيم؛ جحيماً لا تُشعل نيرانه الأساطير، بل تغذيه مشاريع سياسية ترى في التكنولوجيا وسيلة للنفوذ والتوسع أكثر مما تراها أداة للبناء والتنمية.
ثمة مفارقة تكاد تختصر قصة الشرق الأوسط المعاصر.
ففي الوقت الذي كانت فيه دول الخليج تستثمر مئات المليارات في بناء المدن الحديثة، وتطوير البنية التحتية، وإطلاق مشاريع الذكاء الاصطناعي، وتنويع الاقتصاد، وتأسيس شراكات عالمية واسعة، كانت قوى أخرى في المنطقة تستثمر في شيء مختلف تماماً: تطوير أدوات الصراع.
المدن الذكية في مقابل الطائرات المسيّرة.
المناطق الاقتصادية في مقابل الصواريخ الباليستية.
الجامعات ومراكز البحث في مقابل الميليشيات العابرة للحدود.
إنها ليست مجرد مقارنة بين سياسات مختلفة، بل بين رؤيتين متناقضتين للحضارة نفسها.
الرؤية الأولى تنطلق من فكرة أن قوة الدولة تُقاس بقدرتها على إنتاج المعرفة، وجذب الاستثمار، وخلق فرص العمل، وتحسين مستوى حياة مواطنيها.
أما الرؤية الثانية فتنطلق من فكرة أن النفوذ يُصنع عبر تصدير الأزمات، وإدارة الصراعات، وتوظيف الأيديولوجيا في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية.
ومن هنا يصبح الجدل أكثر وضوحاً: هل المنطقة بحاجة إلى مزيد من الشعارات أم إلى مزيد من التنمية؟ طبيعة المواجهة الكبرى أنصار المشاريع الأيديولوجية يصرون على تصوير المشهد باعتباره مواجهة كبرى بين إيران والممانعة من جهة وأمريكا أو إسرائيل من جهة أخرى.
غير أن هذه الرواية، على الرغم من انتشارها الإعلامي، تتجاهل سؤالاً أساسياً: من الذي يدفع الثمن الحقيقي؟ هل هي واشنطن؟ هل هي تل أبيب؟ أم هي المدن العربية التي تواجه بشكل مباشر تداعيات عدم الاستقرار، واستهداف المنشآت الحيوية، وتهديد الممرات الاقتصادية، وتعطيل مشاريع التنمية؟ الحقيقة التي يحاول كثيرون تجاهلها أن الإشكالية الكبرى التي يعاني منها العرب اليوم ليست في الصراع الإيراني ـ الأميركي أو الإيراني ـ الإسرائيلي بحد ذاته، بل في انعكاسات هذا الصراع على الأمن العربي واستقرار الدول العربية ومشاريعها التنموية.
فالعرب لا يخسرون فقط الأمن عندما تتعرض منشأة أو مدينة للاستهداف، بل يخسرون أيضاً الثقة الاستثمارية وفرص النمو والاستقرار طويل الأمد.
إن الاقتصاد الحديث لا يعيش في بيئة الصواريخ، ورأس المال لا يهاجر نحو مناطق التوتر، والتنمية لا تزدهر في ظل الفوضى.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس من يطلق الصاروخ، بل لماذا يتم توظيف التكنولوجيا أصلاً في خدمة مشروع يقوم على إنتاج الأزمات بدلاً من حلها؟ لقد كانت التكنولوجيا في الأصل وعداً بتحرير الإنسان من قيود الجهل والفقر والمرض، لكن بعض الأيديولوجيات نجحت في تحويلها إلى وسيلة جديدة لإدامة الصراعات القديمة.
فالطائرة المسيّرة التي كان يمكن أن تُستخدم في الزراعة والإنقاذ والاستكشاف، أصبحت أداة في معارك النفوذ.
والتقنيات الرقمية التي كان يفترض أن توسع المعرفة أصبحت أحياناً منصات للتعبئة والتحريض والاستقطاب.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: ليست التكنولوجيا هي التي تنتج الجحيم، بل العقلية التي تستخدمها.
إن أخطر ما تفعله الأيديولوجيات المغلقة أنها تُخضع العلم لأهدافها السياسية، فتحول المعرفة إلى أداة للهيمنة، والتقنية إلى وسيلة للضغط، والتقدم إلى غطاء للصراع.
وفي هذا السياق تبدو بعض الخطابات الشعبوية العربية جزءاً من الأزمة لا جزءاً من الحل.
فبدلاً من مساءلة النتائج الكارثية للصراعات المستمرة، تكتفي هذه الخطابات بترديد الشعارات الكبرى وتبرير كل شيء باسم العقيدة أو المقاومة أو الصراع مع الخارج.
لكن الدول لا تُبنى بالشعارات.
والاقتصادات لا تنمو بالخطب، والمجتمعات لا تزدهر تحت ظلال الأزمات الدائمة.
تجارب الأمم في التنمية لقد علمتنا تجارب الأمم أن التنمية ليست مجرد خيار اقتصادي، بل هي مشروع حضاري كامل.
وعندما تختار دولة أن تستثمر في التعليم والتكنولوجيا والبنية التحتية، فإنها تختار المستقبل، أما عندما تستثمر في الميليشيات وأدوات الصراع، فإنها تختار البقاء أسيرة الماضي.
ولعل المأساة الأكبر أن بعض الجماهير ما زالت تنظر إلى المشهد من خلال عدسات أيديولوجية ضيقة، فتتعاطف مع الشعارات وتتجاهل النتائج.
ولهذا نرى من يهتف باسم المشاريع السياسية الكبرى بينما يتحمل المواطن العربي البسيط كلفة الفوضى والدمار وتعطيل التنمية، إن المفارقة التي تختصر هذه الحالة يمكن التعبير عنها بعبارة موجعة: يرضى القتيل ولا يرضى القاتل.
فبينما يدفع الأبرياء ثمن الصراعات، يستمر بعض المروجين لها في تبريرها وتمجيدها، وكأن الخراب إنجاز، وكأن تعطيل التنمية انتصار.
في «الكوميديا الإلهية» كان الجحيم عقوبة أخلاقية على انحراف الإنسان عن القيم العليا.
أما في عالمنا المعاصر، فإن الجحيم يُصنع عندما تنتصر الأيديولوجيا على العقل، وعندما يُقدَّم الولاء العقائدي على مصلحة الشعوب، وعندما تتحول التكنولوجيا من أداة للبناء إلى وسيلة للهدم.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية في الشرق الأوسط ليست معركة صواريخ وطائرات مسيّرة فحسب، بل معركة بين نموذجين للحضارة: نموذج يؤمن بأن المستقبل يُبنى بالعلم والمعرفة والانفتاح والتنمية، ونموذج آخر يرى أن النفوذ يتحقق عبر الصراع الدائم وتصدير الأزمات.
وبين هذين النموذجين يقف العرب أمام سؤال مصيري: هل يريدون أن يكونوا جزءاً من عالم يصنع المستقبل، أم أسرى لمشاريع لا تجيد سوى إعادة إنتاج الجحيم على الأرض؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك