ليس الآن — بل في موازنة 2027.
هذا ما قُدِّم كزيادة لمن يقل دخله عن ستمئة دينار.
رقم يبدو صغيراً على الورق.
لكنه في بلد الإيجار فيه يسبق الراتب والفاتورة لا تنتظر والدواء لا يُؤجَّل — ليس رقماً.
بل اختبار صامت لقدرة الناس على الا ينهاروا.
وقف كثيرون امام الخبر يحاولون الحساب.
ثلاثون ديناراً — ماذا تعني بعد خمسة عشر عاماً من الانتظار؟وماذا تعني حين تُقدَّم حلاً لحياة لم تعد تحتمل اي تاجيل؟المسالة لم تعد مسالة ارقام.
موظف وزارة الزراعة يقبض 375 ديناراً.
موظف دائرة الإحصاء 311 ديناراً.
موظف مؤسسة مستقلة بالمؤهل نفسه والمسمى نفسه — يتقاضى الضعف واكثر.
هذه طبقية معيشية تُدار بصمت داخل الجهاز نفسه.
الهيكل التنظيمي لا يسد جوعاً.
لا يدفع إيجاراً.
لا يشرح لماذا ينتهي الشهر قبل الراتب.
التضخم التراكمي منذ 2009 يتجاوز 35%.
الحد الادنى للاجور 290 ديناراً — لا يلامس الا ما يُبقي الإنسان على قيد الحياة، لا ما يجعله يعيش.
بعد الإيجار والكهرباء والماء والخبز والدواء — لا يبقى شيء يُسمى ادخاراً.
يبقى انتظار لما لا ياتي.
نفس الرقم الذي قُدِّم كحل لفجوة عمرها عقدان.
الدنانير تُمنح باليمين وتستردها الاسواق بالشمال — قبل ان تصل الى الجيب.
بطالة الشباب ليست رقماً في تقرير.
جامعة تُخرِّج شهادات وسوق لا يفتح ابوابه.
شاب يجلس في البيت منذ سنوات.
وفتاة اتقنت تعليمها ولم تجد نافذة تدخل منها الى المستقبل.
موازنة 2026 في تصريحاتها الرسمية لم تذكر كلمة بطالة مرة واحدة.
حين تختفي البطالة من الخطاب الرسمي —وحين يُفتح النقاش تُستدعى كلمة جاهزة: شعبوية.
وكان المطالبة بعيش كريم اصبحت ديماغوجيا.
لكن الشعبوية الحقيقية ليست فيمن يطلب راتباً يكفيه.
الشعبوية الحقيقية ان تُدار الازمة كخلل سيولة — لا كاختلال حياة!الشعبوية الحقيقية ان يُعتقد ان ثلاثين ديناراً في 2027 تكفي لإغلاق ملف الم فُتح قبل عقدين.
الحكومة تتحدث بلغة المؤشرات.
والمواطن يتحدث بلغة واحدة فقط: هل يصل الإيجار قبل نهاية الشهر؟الفجوة في اللغة ذاتها.
لغة تُطمئن بالارقام.
ولغة تعيش ما بعد الارقام.
والمواطن ليس بنداً في جدول.
والكرامة ليست رقماً في تقرير.
الاستقرار المعيشي لا يُقاس بنسبة العجز.
بل بقدرة إنسان على الا يختصر يومه في النجاة فقط.
يطلب اعترافاً بان ما يقدمه — وبانه هو نفسه — يستحق حياة قابلة للعيش.
المصاري مش كلشي — قالها عمر العبداللات وكان محقاً.
لكن حين يكون الإيجار والعلاج والتعليم والخبز كلها مرهونة بالمال — يتحول المال بصمت الى كل شيء لمن لا يملكه.
ارقام كثيرة قد تكون صحيحة.
موظف الإحصاء يحسب الدولة.
والدولة لا تحسب ما بعد الرقم.
والانتظار اصبح زمناً كاملاً بلا عنوان.
وحين تكون الارقام صحيحة والناس متعبة —فالمشكلة ليست في الارقام.
المشكلة ان الارقام لم تعد تفهم الناس.
ولهذا يا دولة الرئيس — لم تعد الازمة ازمة مصاري.
بل ازمة حياة!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك