نحن من يحتاج إلى نظارةٍ.
لا أيوب" حصل الطفل أيوب جنيد على نظارة طبية جديدة من جمعية خيرية إثر حملة تضامن واسعة النطاق عقب موجة تعاطف عالمية بعد انتشار مقطع فيديو له وهو يبكي بحرقة على نظارته المكسورة في إحدى خيام النزوح شمال قطاع غزة.
"، نعم، كما قرأت عزيزي القارئ، بات هذا خبراً.
من حيث الصياغة المهنية، الخبر صحيح ومكتمل العناصر التي تؤهله للنشر، لكنه، في الوقت ذاته، افتقر إلى أبسط معايير الإنسانية، فحين يتحول حصول طفل على نظارة طبية إلى حدث استثنائي يستدعي الاحتفاء والتغطيات والتفاعل، فإن المشكلة لا تكمن في الخبر ذاته، إنما في الواقع الذي جعل من حق بديهي خبراً يستحق التداول.
لم يكن ينقص الطفل أيوب نظارة فحسب، فالطفل الذي لم يتجاوز السادسة من عمره يعاني ضعفاً حاداً في البصر ومرضاً عصبياً يحتاج إلى علاج عاجل خارج قطاع غزة، والعلاج غير متوافر بكل تأكيد في ظل حرب إسرائيلية دمرت القطاع الصحي الأولي والثانوي في قطاع غزة، وأخرجت عدداً كبيراً من المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة، وفاقمت معاناة المرضى والجرحى الذين باتوا ينتظرون فرصة للعلاج كما ينتظر غيرهم فرصة للنجاة.
لكن هذه القصة لم تكن جذابة بما يكفي، لم يصبح مرض أيوب خبراً، ولم يصبح حرمانه من العلاج خبراً، ولم يصبح عجزه عن مغادرة غزة لتلقي الرعاية الطبية خبراً، الذي أصبح خبراً هو نظارته المكسورة، وكأنَّ المأساة الإنسانية بكل تعقيداتها يمكن اختزالها في لقطة قصيرة ودموع طفل يبكي بحرقة على آخر أشيائه.
في زمنٍ تحكمه الخوارزميات، يبدو أن المعاناة لم تعد كافيةً لكي تُرى؛ إذ لا بدّ لها من صورةٍ مؤثّرة، ومشهدٍ عاطفي، وقصّةٍ قابلةٍ للتداول حتى تستحقّ الاهتمام، أمّا آلاف الأطفال الذين يعيشون الظروف ذاتها بعيدًا عن عدسات الكاميرات، فيبقون خارج دائرة الضوء، لا لشيءٍ إلا لأن مأساتهم لم تتحوّل إلى" ترند" يُجنى من ورائه عشراتُ الآلاف من المشاهدات.
ووفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) ومنظمة الصحة العالمية، فإن نحو أربعة آلاف طفل في قطاع غزة بحاجة ماسة إلى إجلاء طبي عاجل لتلقي العلاج خارج القطاع، كما يعيش نحو مليون طفل ظروفاً قاسية تشمل النزوح والمرض وسوء التغذية وفقدان الأمان، وتشير البيانات الأممية إلى مقتل أو إصابة أكثر من 64 ألف طفل، وفقدان أكثر من 58 ألف طفل لأحد والديهم أو كليهما، فضلاً عن حرمان مئات الآلاف من التعليم المنتظم.
هذه الأرقام لم تصدر عن جهة فلسطينية، بل عن مؤسسات أممية محايدة تحاول اختزال الكارثة في بيانات وإحصاءات، لكنها، رغم ضخامتها، قد لا تنجح أحياناً في تحريك الضمير العالمي بقدر ما تفعل صورة واحدة لطفل يبكي أمام الكاميرا كسباً للمشاهدات.
نفرح لأيوب، بالطبع، ونفرح لكل طفل يحصل على دواء أو طرف اصطناعي أو فرصة للعلاج، لكن الفرح لا يجب أن يحجب الحقيقة الأكبر؛ فآلاف الأطفال في غزة ما زالوا ينتظرون ما هو أكثر من نظارة، ينتظرون حقهم في العلاج، حقهم في التعليم، حقهم في السفر وحقهم في الحياة الكريمة التي يفترض أن تكون مكفولة لكل طفل في هذا العالم وفق الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.
إنَّ حكاية أيوب لم تبدأ يوم انكسرت نظارته، بل بدأت مع أسلافه منذ سنوات طويلة من الحصار والتضييق والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية، قبل أن تأتي الحرب الحالية لتضيف فصلاً أكثر قسوة ودموية إلى الحكاية.
باعتقادي نحن والعالم كلِّه من يحتاج إلى نظارة، لنرى من خلالها الأطفال الذين لا تصل صورهم إلى الشاشات، وطوابير المرضى الذين ينتظرون موافقات المحتل للسفر بفرض العلاج، والعائلات التي تنتظر الحياة، نحتاج إلى نظارة تعيد الأمور إلى حجمها الحقيقي، فلا يصبح الحصول على نظارة خبراً، بينما يظل حرمان طفل من العلاج أمراً عادياً في نظر عَالمٍ عطّل ضميره وأعمى بصيرته قبل أنْ يعمي بصره.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك