وإذا ما عدنا لفلاسفة الإغريق فإنهم اعتبروا الفنان كائنا مميزا عند الآلهة ولذلك فإن الآلهة اختاروه ووهبوه الوحي الفني، لكن مع التطور العلمي وصف العلماء المبدع بأنه يتميز بخيال واسع لم يتوفر لدى غيره من البشر، وأكاديميًا يعرف الإبداع بأن ترى المألوف بطريقة غير مألوفة، والقدرة على حل المشاكل بأساليب جديدة، ثم تنظيم الأفكار وظهورها في بناء جديد.
إذن فالمبدع في شتى مجالات الإبداع من فنون وآداب هو شخص مختلف كليا وجزئيا، وربما لهذا السبب تم إطلاق مقولة" الفنون جنون"، والفنان دوما لديه شعور خاص جدا بالهوية، لديه حالة عشق خاصة تربطه بموطنه، حتى إذا ما تعرض هذا الوطن لخطر ثارت حفيظة الفنان ليقف أمام هذا الخطر بإبداعه، وهو ما نتج عنه هذا الكم من القصائد الوطنية، واللوحات الثائرة، والأغاني الوطنية، وأدب الحرب، ونحن في مصر لدينا حالة خاصة جدا تربط بين المبدع والوطن، كل المبدعين المصريين مهما اختلفت توجهاتهم السياسية لديهم قاسم مشترك وهو أنهم جميعا وقعوا في غرام أم الدنيا، وصار كل منهم يحمل لقب" مجنون مصر" على غرار" مجنون ليلى"، وهذا الجنون والولع بحب مصر كان الدافع القوي لعشرات بل مئات من المبدعين يوم 4 يونيو 2013 أن يتخذوا القرار بالاعتصام داخل مقر وزارة الثقافة إثر اتخاذ وزير الثقافة الأسبق، والمنتمي للجماعة الإرهابية عدة قرارات، بإنهاء ندب قيادات واختيار بدلاء لهم منتمين لجماعة الإخوان الإرهابية، وذلك بعد مرور أقل من شهر على اختياره وزيرا للثقافة، وكانت القشة التي أثارت غضب المثقفين هو إنهاء ندب رئيس دار الأوبرا، بالإضافة إلى محاولات مستميتة لوقف عروض البالية بالأوبرا، مما دفع العاملين بالدار على التظاهر السلمي، ثم تحويل التظاهر إلى اعتصام لحين إلغاء قرار الوزير.
القضية لم تعد مواجهة بين مثقفين ووزير وإنما تحولت إلى معركة تحرر بين عقول مصر وشعبها ونظام حكم يسعى لشق الصف الوطني بما يمثل تهديدًا لاستقلال الوطن وهويته، موضحين أن مستقبل مصر لن يكون فيه مكانًا لطاغية أو مستبد فردًا كان أو جماعة.
ونظم الفنانون أكبر فاعلية فنية قام بها المعتصمون بوزارة الثقافة، تضمنت فقرات غنائية ومعرضا للفن التشكيلي، وشارك بالغناء عدد كبير من فناني الأوبرا المصرية، وانضم للاعتصام عشرات الصحفيين من كل المؤسسات الصحفية.
وقررت الجمعية العمومية لنقابة المهن التمثيلية بالإجماع تأييد مثقفي مصر وفنانيها في اعتصامهم الجرىء والنبيل لحماية ثقافتهم وفنونهم من أي فكر يعود بهم إلى عصر الظلام والقهر والقمع الفكري والإنساني، وازداد حماسة الاعتصام وكبر الحشد حتى أصبحت الشرارة شعلة تحرق قلوب البلطجة والإرهاب وتحول نار الإخوان إلى رماد فى 30 يونيو، ليصبح الاعتصام أيقونة للثورة، وها نحن بعد ثلاث عشرة سنة نتذكر تلك الأيام العصيبة التي واجهنا فيها عصابة مسلحة من جماعة إرهابية بالفن، فلو الفنون جنون.
اتجنن!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك