في تقاطعات طهران المزدحمة، يمكن للمارة أن يروا صوراً ولوحات عملاقة تُظهر فم دونالد ترامب مخيطاً فوق مضيق هرمز، أو صواريخ تتساقط بكثافة فوق إسرائيل، أو شبكة صيد عملاقة تبتلع طائرات وسفناً أميركية في الخليج، أو البطل الأسطوري الفارسي آرش وهو يطلق سهمه محاطاً بالصواريخ الباليستية.
صور لا تخرج عن موروث الثورة الإسلامية وعلاقتها العتيقة مع الجداريات والملصقات الدعائية السياسية، ولكنها مع الحرب الأميركية الإسرائيلية الأخيرة على إيران تحولت إلى جبهة قائمة بذاتها، تُصاغ رسائلها بعناية موجهة صوب المواطنين والأعداء والعالم أجمع.
يذهب الباحثان حميدة خالقي محمدي وعلي عباسي في مقالهما" كيف تستخدم إيران اللوحات الإعلانية دعايةً زمن الحرب" المنشور على" ذا كونفرزيشن" (The Conversation)، إلى أن هذه اللوحات التي توضع في أكثر مناطق طهران ازدحاماً ووضوحاً، وتُحدّث باستمرار بحسب مجريات الأحداث، " لم تعد موجهة فقط إلى المارة الإيرانيين، بل صارت مصممة أيضاً كي تُصوَّر وتُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، وتصل إلى جمهور عالمي".
الجدار منبراً ثورياً موازياًمنذ الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، استُخدم الجدار وسيلة اتصال سياسي وتعبئة أيديولوجية، مفسحاً المجال لصور وشعارات" الموت لأميركا"، ورسائل الخميني، ومشاهد الحرب العراقية الإيرانية، حاملاً خطاباً موازياً للخطاب الرسمي، يفسّر العالم ويوضح ماهية العدو للمواطن.
وقد ورثت اللوحات الدعائية الضخمة في طهران الجداريات الثورية القديمة، ووظائفها في صناعة العدو وتصوير الحرب على أنها اختبار للأمة، ولكنها تخلت عن عنصر الثبات المرتبط بالجداريات المرسومة لتواكب عصراً سريع التغير، فباتت تتبدل مع الخبر، بعد أداء رسالتها ومغادرتها الفضاء المحلي إلى العالم الرقمي.
في سياق هذه الوراثة، يبرز ميدان ولي عصر في طهران بوصفه نموذجاً شديد الأهمية، ففي دراسة أكاديمية بعنوان" الدعاية البصرية على مفترق طرق: تقنيات جديدة في لوحة الإعلانات الإيرانية (ولي عصر)"، والمنشورة في مجلة Visual Studies عام 2021، يرى الباحثان كيفن شوارتز وأولمو غولز أن لوحات هذا الميدان إحدى أهم منصات عرض رسائل النظام الإيراني منذ عام 2015.
فهي تقع في واحد من أكثر تقاطعات إيران ازدحاماً، و" تمتاز بقدرتها على تغيير صورها بسرعة، بخلاف الجداريات التقليدية، ما يسمح لها بإنتاج رسائل مصممة وفق أحداث داخلية وخارجية، متوقعة أو مفاجئة".
تستخدم الفارسية مصطلح بیلبورد للدلالة على هذه اللوحات، أي اللوحة الإعلانية الخارجية الضخمة.
وفي بحث نُشر بالفارسية في عام 2015 بعنوان" دراسة دور البيلبورد في صناعة ثقافة المجتمع"، تتعامل الباحثتان مهتاب مبيني ومريم زاهدي مع البيلبورد بوصفها" من أقوى أدوات تشكيل الثقافة العامة والتأثير في الرأي العام".
تخلص الباحثتان إلى أن هذه اللوحات" يمكن أن تكون أداة مناسبة لإرسال الرسائل والتواصل مع المواطنين، وأن نجاحها يعتمد على فهم ثقافة المجتمع، واختيار الصورة واللون والرمز والكلمات القصيرة المفهومة للعامة".
تكشف الأبحاث السابقة أن البيلبورد، أو اللوحات الإعلانية الضخمة، مثّلت أداة شغلت حيزاً في الفضاء الأكاديمي والرسمي والعام، واشتُغل عليها وطُوّرت لعقود، لتغدو حاملاً وجدانياً وأداة مهمة في معارك النظام الإيراني ومواجهاته.
في تقرير نشرته" ذا تايمز" في إبريل/نيسان الماضي، كشفت الصحيفة أن مجموعة تسمي نفسها" خانه طراحان انقلاب اسلامی" (بيت مصممي الثورة الإسلامية) هي الجهة التي تعمل على اللوحات الدعائية منذ ما قبل الحرب الحالية، وتتبع المجموعة لمنظمة أوج للفنون والإعلام، الذراع الفنية والثقافية للحرس الثوري الإيراني.
يُذكر أن الحرس الثوري أسّس" أوج" في 2009، لتلعب دوراً بارزاً في قطاعات السينما والمسرح والموسيقى وفنون الغرافيك والدعاية، وذلك في أعقاب الاحتجاجات الشعبية الكبرى التي شهدتها البلاد ضد نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية لعام 2009، وقد سميت بـ" الحركة الخضراء الإيرانية".
يضم" بيت مصممي الثورة الإسلامية" مجموعة من الفنانين والمبدعين الشباب ممن يؤيدون النظام الإيراني.
تنقل" ذا تايمز" في تقريرها عن أميد معماريان، كبير محللي الشؤون الإيرانية في" دون" (DAWN)، وهو مركز أبحاث في واشنطن، قوله إنه" على مدى العقدين الماضيين، وسّع الحرس الثوري الإيراني استثماراته باطراد في القطاعات الثقافية، كالأفلام والتلفزيون والإنتاج الإعلامي والإعلان.
ويشكّل الذكاء الاصطناعي الآن جبهة أخرى"، مشيراً إلى أن السلطات الإيرانية جهزت" نفسها بقوة بأدوات إلكترونية حديثة.
ولتنفيذ ذلك، استقطبت جيلاً جديداً من خريجي الجامعات الذين قد لا يتبنون بالضرورة أيديولوجية النظام، ولكنهم ينجذبون بدلاً من ذلك إلى الفرص المهنية والوظائف المستقرة نسبياً".
وقد لعب اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي دوراً مهماً في رفع كفاءة العمل وتسريع الإنتاج وتقليل الكلفة، وجعله أقدر على مجاراة التطورات المتلاحقة، مقارنة بالماضي، إذ كانت الجدارية تحتاج وقتاً طويلاً ورسامين ومواد وعملاً ميدانياً.
يذكر محمدي وعباسي في مقالهما أن" اللوحات باتت جزءاً من استراتيجية تواصل بصري أوسع، وهي معدّة كي تُلتقط وتُنشر وتُتداول على نطاق واسع عبر وسائل التواصل، بما يسمح لإيران بعرض صورة القوة والمقاومة أمام جمهور عالمي".
تخاطب اللوحات أكثر من جمهور بأكثر من لسان، فالجمهور الأول هو الداخل الإيراني، وهنا تؤدي اللوحات وظيفة تعبئة وطمأنة، فالدولة مسيطرة والرد قادم ولسنا في موقع ضعف.
تتجاوز اللوحات وظيفة البيانات العسكرية التقليدية، لتشتبك أكثر مع المواطن محاولة إعادة بناء الثقة وتغطية الشكوك، مكررة مفردات الوحدة والشهادة والثأر والصبر والدفاع عن الوطن.
مع هذا الجمهور تبرز الفارسية، بحمولتها الثقافية والأسطورية وألاعيبها اللغوية، واللغة هنا ليست وسيلة شرح وإيضاح، بل أداة تقدم حمولة إضافية.
فمن لا يعرف الفارسية قد يفهم الصورة، ولكنه لن يلتقط كل دلالتها.
مثال ذلك لوحة ترامب وفمه المخيط.
يوضح محمدي وعباسي أن" النص الفارسي يتضمن تلاعباً لغوياً بكلمة تنگ، التي يمكن أن تعني الضيق أو القيد، وتحيل في الوقت نفسه إلى تنگه هرمز، أي مضيق هرمز".
هكذا يتحول المضيق إلى رسالة تتجاوز الجغرافية إلى السياسة عبر مفردة واحدة.
الجمهور الثاني هو العدو؛ إسرائيل والولايات المتحدة، وهنا تظهر لغات أخرى، إذ تُكتب بعض الرسائل بالعبرية أو الإنكليزية.
رسائل ليست موجهة بالطبع إلى المارّة في تلك الساحات، بل لجمهور في مكان آخر ستصله الرسالة عبر منصات التواصل والصحافة العالمية.
العبرية تُستخدم للتهديد المباشر.
في لوحة" سادة الحرب"، تظهر عبارة فارسية تقول: " إذا أردتم الحرب، فنحن سادة الحرب"، وأدناها تظهر رسالة بالعبرية موجهة إلى إسرائيل، ليست ترجمة حرفية، بل رسالة مختلفة تقول: " يجب محو إسرائيل من على وجه الأرض، وهذه البداية".
الجمهور الثالث هو العالم الرقمي، وهنا تفتح الإنكليزية المجال أمام فضاء عالمي.
في لوحة ترامب السابقة، وإلى أسفل النص الفارسي، تظهر العبارة الإنكليزية The Breaking Point (نقطة الانكسار).
هذه رسالة موجهة لجمهور غربي بات يعرف الحرب ومأزق ترامب أمام مضيق هرمز، وهو يتابع التطورات العالمية حول المضيق وكيف أثر إغلاقه على نمط حياته وأسعار مشترياته.
من أنسنة الصاروخ إلى أسطرة الحربفي لوحة" صاروخ إبستين"، تظهر صواريخ إيرانية تحمل عبارات وهاشتاغات مختلفة، من بينها" إلى بنات ميناب"، في إشارة إلى ضحايا مدرسة الشجرة الطيبة في مدينة ميناب، حيث قتلت أكثر من 150 تلميذة في قصف أميركي وإسرائيلي استهدف المدرسة.
صاروخ آخر في اللوحة ذاتها يحمل عبارة" الفتاة ذات السترة الوردية" وهي الطفلة ريحانة سلطاني نجاد التي قتلت في تفجيرات كرمان في يناير/كانون الثاني 2024 خلال إحياء ذكرى مقتل قاسم سليماني، وكذلك تظهر عبارة" ضحايا جزيرة إبستين"، وأسماء قادة إيرانيين.
لوحة يرى محمدي وعباسي أنها" محاولة للربط بين أحداث متباعدة داخل سردية واحدة عن فتيات ونساء ضعيفات تعرضن للعنف والاستغلال، فلا يظهر الصاروخ أداة تدمير، بل رمزاً للحزن والذاكرة والثأر والدفاع".
وأمام هذه الرسالة، لا يبدو العنوان الذي حملته اللوحة غريباً أو مستهجناً" لكي يستريح العالم"، فالصاروخ لم يعد" أداة قتل"، بل" رسالة أخلاقية" تدافع عن المظلومين.
في لوحة" رامي السهام"، يُستحضر تاريخ الإمبراطورية الفارسية وموروثها الأسطوري عبر شخصية البطل آرش، الذي اختاره الملك الفارسي ليحسم صراعاً بين الفرس والتورانيين سكّان آسيا الوسطى، فحيث يصل سهمه تكون حدود إيران.
وهكذا رمى آرش سهمه بعد أن وضع فيه كل قوته، ليصل إلى مكان بعيد جداً، موسعاً بذلك حدود إيران.
تذهب الأسطورة إلى أن آرش مات بعد إطلاق السهم، إذ خارت قواه، وأصبح رمزاً للتضحية في سبيل الوطن.
وفي اللوحة، يظهر آرش محاطاً بالصواريخ الباليستية، التي" توسّع" مجدداً حدود إيران، جاعلة من الجندي الإيراني المعاصر وريثاً للبطل الأسطوري في التضحية، مع عبارة بالفارسية تقول" فداءً لإيران أضع روحي في القوس، وليشقّ سهمُ آرش عنان السماء".
تحوّل اللوحات الدعائية الضخمة في ميادين طهران والمدن الإيرانية الفضاء العام إلى جبهة إسناد، لا تقاتل بالأسلحة التقليدية بل بالدلالات والرسائل التي تستخدم الخوارزميات، وفيها تبدو إيران منتصرة، وصواريخها أخلاقية، وخصومها يأكلهم العجز.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك