عمان- في صياغة تميل إلى التقاط التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية وتحويلها إلى لحظات ذات دلالة إنسانية أوسع، تقدم المحامية والكاتبة ريما ملحم كتاب" كاندي كرش: وخواطر أخرى"، وهو عمل أدبي يجمع بين القصة القصيرة والنصوص الوجدانية والتأملات الفكرية.
اضافة اعلانيضم الكتاب، الصادر عن دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع، ثمانيةً وأربعين نصاً تتنوع بين الخاطرة والمشهد القصصي المكثف، وتدور في مجملها حول قضايا إنسانية وقيم أخلاقية مثل الكرامة، والوفاء، والانتماء، والتضامن، والمسؤولية تجاه الآخر.
غير أن هذه القيم لا تقدم في إطار وعظي مباشر، بل تتسلل عبر اللغة والتجربة، من خلال مشاهد شعورية تعتمد على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى الإحساس أكثر من التقرير.
ويمتاز العمل بلغة هادئة تأملية، قادرة على التقاط التحولات الدقيقة في المشاعر الإنسانية، خاصة تلك المرتبطة بالتعلق، والانتظار، والأسئلة غير المكتملة.
فالنصوص لا تسعى إلى تقديم حكايات مكتملة بقدر ما تنفتح على حالات شعورية متفرقة، تترك للقارئ مساحة واسعة للتأمل وإعادة بناء المعنى وفق تجربته الخاصة.
كما يتداخل في بعض النصوص البعد الشخصي مع الهم الإنساني العام، حيث تمتد المشاعر من نطاق الفرد إلى قضايا أوسع تتصل بالواقع العربي والإنساني، بما يضيف بعداً تأملياً للنص ويمنحه طابعاً يجمع بين الذاتي والجمعي في آن واحد.
وفي عتبة الإهداء، تكتب ملحم: " إليه، وقد علمني الحروف الأولى للعزة والكرامة والانتماء.
وإليها، وقد ألهمتني معاني الحب والرحمة والوفاء.
إليهما، أبي وأمي، أهدي محبتي وخواطري".
أما على الغلاف، فتقدم" كاندي كرش"، بوصفها نصوصاً وجدانية قصيرة تلامس لحظة الإعجاب الأولى، تلك المشاعر التي تبدأ خفيفة بريئة، ثم ما تلبث أن تتعمق وتتشابك مع الانتظار والخيال والصمت، فتأخذ طابعاً أكثر التباساً ونضجاً.
ولا يقدم الكتاب حكاية واحدة بقدر ما يلتقط حالات شعورية متفرقة، تتجاور فيها اللحظات العابرة مع التأملات الداخلية، في محاولة لرسم خريطة دقيقة لانفعالات إنسانية صغيرة، لكنها عميقة الأثر.
من تعلق غير معلن، وأسئلة تبقى دون إجابة، وأثر تتركه مشاعر لم تتح لها فرصة الاكتمال.
هو كتاب يرافق القارئ في رحلة شعورية بين القرب والبعد، يحمل أملاً يطمح ثم ما يلبث أن يخفت، ويطرح محاولات الفهم والتجاوز، دون نهايات صريحة أو أحداث مكشوفة.
لغة" كاندي كرش" هادئة تأملية، تميل إلى البوح دون مباشرة، وتترك للقارئ مساحةً يرى فيها نفسه بين السطور.
وفي النص الأول من المجموعة، والذي جاء بعنوان" قرية المشرفة"، يتبدى مشهد بسيط ومكثف في آن، إذ تتحدث الجملة عن شمس تشرق من باب الدكان.
فتقول: " شمس تطل على باب الدكان.
حقيبة مدرسة تضم كراساً وصفحات من كتاب.
وقلم رصاص وبعض ما احتفظت به من الألوان.
سترسم وجه الكون فجراً وظهراًوترسمه ساعات العصر وفي المنام.
وفي ذاكرتك وجوه تتبدل ووجوه تبقى كما بدر الزمان.
وفي ذاكرتك أيضاً بيوت خلقت للعز، نوافذها تدعوك لعشق المكان.
وفكر يثري وجودك ويرشدك للعمل مهما كان".
وفي النص الثامن والأربعين من المجموعة، والذي جاء بعنوان" شرق"، يكتب النص من داخل مشهد مشحون بالمتابعة اليومية للأحداث عبر الشاشات، حيث تتداخل المراقبة بالانفعال، والخبر بالوجع الإنساني العاري.
يقول النص: " من خلف شاشات تتابع ما يأتي به النهار.
لا شرق للشرق.
لا نزال مراقبين ومتابعين ومدونين ومنددين.
والليل يحرق الأرض ويتسلل إلى أرواحنا كل صباح!يناول طفله ما وجد من كسرة خبز ليلعق أطرافها فقط،لا بد أن تكفي لمن تبقّى من إخوته الصغار.
تبكي الأطفال وبكاؤهم يهز الكون، هم جُوّعوا.
أخبرني بربك كيف نتذوق نحن ما لدينا من طعام؟لا شرق للشرق.
وامرأة تغادر دنياها وسط ازدحام ومحرقة نازية ودمار.
وعربة تحمل الشهداء والأحياء.
لا مفر من الموت والقصف.
ذات القصف يأتيهم متجدداً في كل مرة.
ليختبر أسلحة الغرب وأسلحة الدمار.
هنا جموع تقبض على الجمر.
وهنا من يُهجّر للمرة الألف.
وهنا من يبحث عن ابن عاد للتوّ من شمال أو جنوب -لا فرق -ثم اختفى في الحال عن أنظار".
وفي نص آخر بعنوان" دعاء"، تتخذ الكتابة طابعاً حوارياً حميمياً يبدأ بمكالمة هاتفية مع" حيفا": " جاهزة؟ "، لتفتح هذه الجملة البسيطة باباً لتيار من الذكريات والانفعالات المتشابكة، حيث يمتزج اليومي بالرمزي، والخاص بالجمعي.
تقول: " لا أدري، أشعر وكأنني طفلة ستغادر على متن طائرة في أول رحلة لها.
ثم تعاود" حيفا" السؤال، وقد كانت قد وعدت بمرافقتها لشراء عباءة من أسواق البلد، قرب ساحة المسجد الحسيني الذي تحبه.
وتتسع الذاكرة بعد ذلك لتستحضر" حيفا" بوصفها حضوراً ممتداً في الحياة، من لحظة وصولها المفاجئ عبر الشام للوقوف إلى جانبها يوم زفاف حبيبة في لبنان، إلى احتفالاتهما في أعياد تونس ومصر، مروراً بسخطهما على تردي أوضاع العباد في العراق، وترقبهما لفجر آت في اليمن، وانعدام الرؤية في ليبيا والشام، وصولاً إلى وقوفهما في يوم عز يؤكدان فيه استقلال البلاد.
حيفا مدينة جميلة -امرأة تحمل اسم البلاد.
وتعمرني حباً هكذا.
دون سابق إعداد.
أسمع صدى صوتي يجيب: " إن شاء الله جاهزة.
ولكن بماذا توصيني؟قالت: " اذع لي في ديار الرحمن دعاءً واحداً لا غير قولي: ربنا انصرنا على أعداء أمتنا.
قلت مودعةً: " دعاء للنصر والنية صادقة بإذن الله".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك