في كل مرة يفقد فيها طفل مصاب بالسكري وعيه داخل المدرسة بسبب هبوط حاد في مستوى السكر، لا يكون السؤال الصحيح: ماذا حدث؟ بل: هل كان بالإمكان منع ما حدث؟ اضافة اعلانهذا السؤال يجب أن يشغل الأسر والمعلمين والإدارات المدرسية وصناع القرار على حد سواء، لأن أعداد الأطفال المصابين بالسكري من النوع الأول تشهد ارتفاعاً مستمراً حول العالم، ولأن وجود طالب مصاب بالسكري في المدرسة لم يعد حالة استثنائية، بل أصبح واقعاً يومياً يتطلب استعداداً حقيقياً من البيئة التعليمية.
فالطفل يقضي نحو ثلث يومه داخل المدرسة، وخلال هذه الساعات قد يتعرض لهبوط السكر نتيجة نشاط بدني زائد أو تأخر في تناول الطعام أو تغير في احتياجاته العلاجية.
وعندما يحدث ذلك، فإن أول من يواجه الموقف غالباً ليس الطبيب ولا الوالدان، بل المعلم.
وفي دراسة ميدانية حديثة أجريناها على عينة من المعلمين في المدارس الأردنية لتقييم مستوى الوعي والاستعداد للتعامل مع حالات هبوط السكر لدى الطلبة المصابين بالسكري، أظهرت النتائج أن معظم المعلمين يمتلكون معرفة مقبولة بالأعراض المبكرة مثل التعرق والارتجاف والدوخة وضعف التركيز.
لكن الصورة اختلفت عندما تعلق الأمر بالتعامل العملي مع الحالة.
فقد كشفت الدراسة عن فجوات واضحة في معرفة الإجراءات الإسعافية اللازمة عند حدوث هبوط السكر، إذ لم يكن سوى معلم واحد تقريباً من كل عشرة معلمين على دراية باستخدام الغلوكاغون في الحالات الشديدة، بينما لم تتجاوز نسبة من يعرفون قاعدة" 15-15-15" المعتمدة عالمياً في التعامل الأولي مع هبوط السكر خمسة بالمائة.
هذه الأرقام لا تعني أن المعلمين مقصرون، بل تعني أن النظام بأكمله لم يمنحهم التدريب الذي يستحقونه.
فالمعلم لم يُعيَّن ليكون طبيباً، لكنه يقف في الصف الأول عندما يتعرض طفل لطارئ صحي، ومن حقه أن يمتلك الحد الأدنى من المهارات التي تمكنه من التصرف بثقة وأمان.
ومن المهم الإشارة إلى أن هذه المشكلة ليست أردنية فقط.
فقد أظهرت دراسات من أوروبا والشرق الأوسط وآسيا نتائج متشابهة، حيث يمتلك المعلمون معرفة عامة بالسكري، لكنهم يفتقرون إلى التدريب العملي اللازم للتعامل مع الحالات الطارئة.
ولهذا اتجهت دول عديدة إلى تطوير برامج تدريبية مدرسية متخصصة لتعزيز جاهزية الكوادر التعليمية.
ولعل أكثر النتائج تفاؤلاً في دراستنا كانت الحماس الواضح الذي أبداه المعلمون للحصول على التدريب المناسب، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن في غياب الاهتمام أو الشعور بالمسؤولية، بل في محدودية الفرص التدريبية المتاحة.
كما أثبتت التجارب الدولية أن برامج تدريب قصيرة وموجهة للمعلمين قادرة على إحداث تحسن ملموس في القدرة على التعرف على حالات هبوط السكر والتعامل معها بكفاءة، ما يجعل الاستثمار في هذا المجال من أكثر التدخلات الصحية المدرسية فاعلية وأقلها كلفة.
إن القضية اليوم لم تعد قضية صحية فحسب، بل قضية تربوية ومجتمعية ووطنية.
فالمعلمون ليسوا جزءاً من المشكلة، بل جزء أساسي من الحل، لكن هذا الحل يحتاج إلى تدريب منظم وسياسات واضحة وشراكة حقيقية بين المؤسسات الصحية والتعليمية.
لقد حان الوقت للانتقال من ردود الفعل الفردية إلى برنامج وطني يعزز جاهزية المدارس للتعامل مع الأمراض المزمنة والحالات الطارئة لدى الأطفال.
فبين المعرفة والجهل، وبين الاستعداد والإهمال، قد تكون هناك دقائق قليلة فقط.
لكنها أحياناً الدقائق التي تصنع الفارق بين النجاة والمأساة.
*رئيس قسم طب الأطفال وطب الأسرة والنسائية والتوليد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك