يمثل ملفّ الهجرة إشكالية معقدة في الولايات المتحدة يستفيد منها الديمقراطيون والجمهوريون، وسط ترحيل مئات الآلاف ومغادرة أكثر من مليونَين.
وفيما يؤكد متابعون رغبة الأميركيين بحدود قوية وهجرة منظّمة، يرون أنّ ترامب ابتدع شكلاً خاصاً من الفوضى وقمْع المهاجرين، تماماً كما جلب بايدن الفوضى بفتح الحدودخلقت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب فوضى شاملة في ملف الهجرة، سواء عبر احتجاز المهاجرين، أو طرد قضاة محاكم الهجرة إثر إصدارهم أحكاماً ضدّ ترحيل طلاب جامعات داعمين لغزة، أو إقالة مسؤولين بالإدارة أو إجبارهم على الاستقالة، فضلاً عن مقتل مواطنين أميركيين.
ما يخلق حالة فوضى داخل الإدارات، ويؤثر على مصير ملايين المقيمين في الولايات المتحدة.
وتمثل قضية الهجرة أهمية أميركية كبرى، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي.
وأعلنت إدارة ترامب أخيراً، إجراءات تُلزم المقيمين الراغبين بالحصول على الإقامة الدائمة، بالعودة إلى بلدانهم للتقديم عليها، قبل أن تتراجع تحت الضغط، مشيرةً إلى أنّ القرار لن يُطبَّق على جميع المتقدّمين.
وكشفت شبكة" سي بي أس نيوز" أنّ إدارة ترامب تُطوّر خطة جديدة تسمح لموظفي إدارة الهجرة برفض طلبات لجوء من دون إجراء مقابلة مع المتقدّم، لبعض الحالات التي تُقدّم طلباتها بعد مرور عامٍ على دخولها الولايات المتحدة، وذلك كواحدٍ من أكبر التغييرات في النظام، والذي يُتوقّع أن يواجه في المحاكم الأميركية.
وفي 5 يونيو/حزيران الجاري، منح مجلس الشيوخ ترامب انتصاراً، من خلال إقراره مشروع قانون من شأنه أن يوفّر لوزارة الأمن الداخلي تمويلاً إضافياً بقيمة 70 مليار دولار أميركي لتعزيز إنفاذ قوانين الهجرة.
وأخيراً، افتخرت هيئة حماية الحدود الأميركية بأنّها أتمّت عاماً من دون الإفراج عن المهاجرين الذين أُلقيَ القبض عليهم عند الحدود، ولم تكن بحوزتهم أيّ أوراق ثبوتية.
ومع مرور عام وبضعة أشهر على ولايته الثانية، تكشف أرقام وزارة الأمن الداخلي الأميركية عن انخفاض حادّ في عبور الحدود بنسبة 94%، وترحيل نحو 900 ألف مُقيم، بينما غادر البلاد نحو 2.
2 مليون شخص ضمن برنامج الترحيل الذاتي، وفق قول مسؤول أميركي لشبكة" فوكس نيوز".
وشهدت مراكز الاحتجاز وفاة 32 شخص خلال عام 2025، مسجّلةً أعلى رقم خلال عقدين، وتقول منظمات حقوقية إنّ بعض هذه الحالات لاقت حتفها بسبب الاعتداءات أو الإهمال.
وتحوّل تجاهل الأوامر القضائية أو تقديم بيانات مضلّلة للقضاة إلى نموذج متكرّر، إذ وثّق قضاة فيدراليون في ولاية مينيسوتا وحدها أنّ إدارة الهجرة انتهكت 96 أمراً قضائياً في 79 قضية خلال يناير/كانون الثاني الماضي، وهو الشهر الذي شهد مقتل المواطنَين الأميركيَّين رينيه غود وأليكس بريتي على يد قوات إنفاذ قوانين الهجرة.
ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2025 حتى نهاية فبراير/شباط الماضي، وثّق قضاة فيدراليون عمليات احتجاز تُعدّ انتهاكاً للقانون، إذ أصدر أكثر من 400 قاضٍ أحكاماً في نحو 4420 قضية، كاشفين أنّ وكالة إنفاذ قوانين الهجرة تحتجز أشخاصاً بما يخالف القانون.
ومن بين 66 قاضياً عيّنهم ترامب، أصدر 44 قاضياً فيدرالياً أحكاماً قضائية ضد إدارته في قضايا الاحتجاز الجماعي.
خلّفت كل هذه السياسات المتشدّدة فوضى إنسانية وقانونية، وأشعلت حالةً من الغضب دفعت ترامب إلى القول في مطلع فبراير الماضي، إنّ حملته المتعلقة بالهجرة تحتاج إلى" نهج أكثر ليونة".
وبالفعل، خفّضت وكالة إنفاذ قوانين الهجرة من حملاتها المتشدّدة.
وبدأت الإدارة في إغلاق أبواب الحصول على إقامة دائمة، ففي إبريل/نيسان الماضي، أصدرت وزارة الخارجية توجيهاً يُلزم موظّفي السفارات والقنصليات حول العالم بتوجيه أسئلة لطالبي التأشيرات؛ منها" هل تعرّضتَ للاضطهاد في بلدك؟ " أو" هل تخشى العودة إلى بلدك؟ "، وهي أسئلة تمنع تلقائيّاً تحوّل كلّ من يدخل البلاد إلى طالب لجوء لاحقاً، إذ إنّ الإجابة بـ" لا" ثمّ تقديم طلب اللجوء، معناه الكذب أثناء الحصول على تأشيرة الدخول إلى الولايات المتحدة، وبالتالي رفض الطلب تلقائيّاً.
كما تعزّز إدارة ترامب عمليات الفحص، إذ تكفي مخالفات محدودة كان يجري تجاوزها في الماضي، لرفض طلبات الإقامة.
وتستهدف الإدارة جنسيات محدّدة، من بينها الصومال، وتسعى لإلغاء الإقامات لمواطني دول مثل اليمن وبورما وسورية وغيرها، مع قرار حظر السفر على جنسيات أخرى.
وتخطّط كذلك إلى خفض عدد السفارات التي تقدّم إجراءات الحصول على تأشيرة في قارة أفريقيا إلى 20 فقط.
وسبق أن حظرت دخول عدد كبير من مواطني دول القارّة الأفريقية.
عملت المحامية الأميركية جينجير تي تشابمان على ملفَّي الهجرة والحقوق الفكرية في الحكومة الفيدرالية لسنواتٍ عدّة، وصوّتت لترامب في الانتخابات الأخيرة، وتقول لـ" العربي الجديد"، إنّ إدارة ترامب تمثل" رحلة مليئة بالتقلبات، وإنّ مشكلته الأساسية عدم امتلاكه استراتيجية حقيقية لهذا الملف.
كانت لديه أهداف خاصة به، مثل إغلاق الحدود، وتقليل تدفق الأجانب المجرمين إلى الولايات المتحدة، وزيادة الوظائف للمواطنين الأميركيين، ولكنّه بدلاً من صياغة استراتيجية تحقق هذه الأهداف من خلال قنوات إدارية وقانونية سليمة، بدأ في إصدار الأوامر، وكأنّه حاكم لا يُحاسب".
وتتابع تشابمان: " بمجرد دخوله المنصب، صار ترامب أشبه بثور في متجر للخزف، يدمّر الطرق القديمة قبل تنفيذ الطرق الجديدة.
لذا أعتقد أنه في النصف الثاني من ولايته سيتبع سياسة أكثر هدوءاً وهو يحاول تحقيق أهدافه، ربّما تَعلّم أنّه ليس مَلكاً، وأنّ عليه القيام بالأمور من خلال القنوات القانونية.
الأميركيون يريدون من رؤسائهم التصرف بطريقة قانونية، لأنهم ليسوا ملوكاً، وليسوا فوق القانون".
وتشير المحامية الأميركية إلى أنّ الجمهوريين يرون أن أكبر إنجازات ترامب حتى الآن تكمن في حملته الصارمة بملف الهجرة، إذ نفّذ فعليّاً أكبر حملة قمع للهجرة، ربّما منذ خمسينيّات القرن الماضي، من خلال عمليات الترحيل الجماعي وتعليق قبول اللاجئين وفرض قيود على المسارات القانونية للهجرة.
وتتحدّث عن تباهي ترامب بترحيل نحو 600 ألف شخص في أول عام من ولايته، وهو رقم يبدو على الورق أقلّ ممّن قام الرئيس الأسبق باراك أوباما بترحيلهم في أحد أعوام رئاسته، لكن ترامب يقول أيضاً إنّ برنامج المغادرة الطوعية أدّى إلى مغادرة نحو 1.
9 مليون مهاجر غير نظامي آخر، ما جعله يعلن أنّه حقّق صافي هجرة سلبي في فترته الرئاسية الثانية.
وتلفت إلى أنّ مسار الترحيل الخاص بإدارة ترامب أدى إلى احتجاجات جماعية وغضب تجاه عناصر وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك وتجاه الإدارة، فضلاً عن أعمال شغب خارج مراكز الاحتجاز.
وتعتبر تشابمان أن المسار الأقل نجاحاً هو محاولة ترامب منع برامج الهجرة المرتبطة بمصالح الشركات، وذلك عندما حاول تقييد تأشيرات العمل H-1B، ما جعله يواجه ضغوطاً من الشركات، كما حاول تقييد عدد الطلاب الصينيين الذين يدخلون البلاد لمتابعة تحصيلهم الجامعي، إذ واجه كذلك ضغطاً سياسيّاً، وقد تراجع عن قراره بعد زيارته بكين.
وفي ما يخصّ ملف الطلاب المؤيّدين للحقّ الفلسطيني، تقول: " الفلسطينيون والعرب والشرق أوسطيون عموماً لا يُنظر إليهم بنفس الطريقة التي يُنظر بها إلى بقية المهاجرين، إذ يُقدّرون بوصفهم مواطنين مُجتهدين، وليس كما يتحدث ترامب عن العصابات القادمة من أميركا الجنوبية.
العداء الظاهر تجاههم ليس عرقياً في معظمه، بل ناجم عن الدعاية المُعادية، خصوصاً أنّ إسرائيل لا تحبّذ وجود مواطني الشرق الأوسط في الولايات المتحدة، رغم أنّ الكثير منهم لجأوا إليها بسبب القصف الأميركي الإسرائيلي لبلدانهم.
يرتبط العداء أكثر بالحروب في الشرق الأوسط، ودعم الصهيونية، والمعركة الدائرة حالياً بين المؤيّدين لإسرائيل، ومن يريدون تقليل المساعدات والأسلحة الممنوحة إلى إسرائيل، وإنهاء الحروب الدائمة في الشرق الأوسط".
وتضيف: " يعارض الديمقراطيون والجمهوريون إجراءات ترامب المتعلقة بقمع المهاجرين، إذ ينظر الديمقراطيون إلى المهاجرين بوصفهم ناخبين محتملين لهم، بينما يرى الجمهوريون، ولا سيّما الطبقة التجارية منهم، أن المهاجرين النظاميين وغير النظاميين هم عبارة عن عمالة أجنبية رخيصة وعمّالٍ يتقاضون أجراً أقلّ، ما يزيد أرباح تلك الطبقة التجارية.
لذلك؛ فإنّ موضوع الهجرة معقدٌ جدّاً، إذ يقول الأميركيون علناً إنّهم يعارضون الهجرة غير النظامية، بينما يستفيد منها كلّ من الديمقراطيين والجمهوريين، سواء انتخابياً أو مالياً".
وتشير تشابمان إلى أنّ" الأميركيين ليسوا معارضين بشكل كامل للهجرة غير النظامية، غير أنّ عدم التدقيق خلال إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن سمح بدخول عناصر عدّة غير مرغوب بها إلى الولايات المتحدة، ما أدّى إلى تشويه سمعة المهاجرين غير النظاميين بشكل أكبر"، مؤكدةً أنّ ترامب استغلّ هذا الخوف، ليس لنيل أصوات الناخبين والعودة إلى البيت الأبيض فحسب، إنّما أيضاً لدعم إجراءاته القاسية في قمع المهاجرين.
وإذ تُلقي تشابمان اللّوم على مسؤولي الإدارة الذين اختارهم ترامب لإدارة ملف الهجرة، تقول: " في كثير من القضايا يبدو البيت الأبيض تحت إدارة ترامب فوضوياً وغير منظّم، خصوصاً في ملف الهجرة لأسباب عدّة؛ أولها ترامب نفسه، باعتباره رجل صفقات، إذ يسمع بمشكلةٍ فيتّخذ قراراً سريعاً، ثم يدرك لاحقاً أنه لا يمكن تنفيذه قانونياً أو أنه محفوفٌ بالمخاطر السياسية أو يواجه معارضة حتى من حزبه، وهذا يعطي انطباعاً بالتقلب والفوضى.
ثانيها أن كثيراً من مستشاري ترامب غير مناسبين لمناصبهم، إذ عُيّنوا بسبب الولاء ويميلون إلى استخدام القوّة من دون الاستماع والدراسة".
وتضيف المحامية تشابمان: " حصل ترامب على دعمٍ واسع عند فوزه، لكنّه في كثير من الحالات عوض أن يوحّد الولايات المتحدة، اختار تقسيمها.
الأميركيون يريدون حدوداً قوية وهجرة منظّمة.
وقد كنّا نأمل في أن يحقق ترامب ذلك، لكنّنا حصلنا على مزيد من الفوضى على الجانب التنظيمي.
ومثلما جلب بايدن الفوضى بفتح الحدود تماماً، يجلب ترامب شكلاً خاصاً من الفوضى من خلال إصدار مطالب إدارية وتغيير اللوائح على نحوٍ متكرّر، ما يجعل الأميركيين في حالة صدمة مستمرة".
وتختم بالقول: " الولايات المتحدة بحاجة إلى المهاجرين، إذ تعاني البلاد من انخفاض عدد السكان، ومن أعباء مالية واقتصادية، كما أنّ عدد العمّال أقلّ من العدد المطلوب.
لذلك، نحتاج إلى تدفّق المهاجرين بطرقٍ قانونية".
ولم تبدأ فوضى ملف الهجرة التي خلقها ترامب في إدارته الحالية، وإنّما تعود للعام 2017 عندما تولّى فترته الرئاسية الأولى.
وقد أطلق حينها سياسة عدم التسامح مع عبور الحدود، ما أدّى إلى فصل أكثر من خمسة آلاف طفل عن عائلاتهم، وفصل موظفين، وتراكم القضايا، وخفض أعداد قبول اللاجئين، وحظر دخول مواطني عدد من الدول.
ورغم نجاحه، كما يقول أنصاره، في منع دخول ملايين إلى البلاد، وترحيل مقيمين دون أوراق ثبوتية، إلا أنّه يتحرك نحو تجريد مواطنين من جنسياتهم، وترحيل أكبر عدد من المقيمين الشرعيين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك