الخرطوم 9 يونيو 2026- هوى سعر صرف العملة المحلية في السودان إلى مستويات غير مسبوقة، بينما أرجع مختصون ومتعاملون ذلك إلى ارتفاع حدة المضاربات والحاجة إلى تغطية عمليات الاستيراد في ظل نقص موارد النقد الأجنبي.
وظل الجنيه السوداني في تراجع مستمر مدفوعاً بطول أمد الحرب وضعف الصادرات مقابل اتساع حجم الواردات.
ومنذ مطلع العام الحالي شهدت أسعار صرف العملات الأجنبية تصاعداً كبيراً، حيث ارتفع الدولار من 3750 جنيهاً ليصل إلى أرقام تراوحت بين 4200 و4300 جنيه.
وأبلغ متعاملون في السوق الموازي للعملات «سودان تربيون» بتراجع الجنيه اليوم الثلاثاء إلى 4400 جنيه للدولار الواحد نتيجة نشاط كبير في عمليات شراء الدولار والعملات الأجنبية الأخرى.
وبلغ سعر الريال السعودي 1140 جنيهاً، والدرهم الإماراتي 1171 جنيهاً، واليورو 5058 جنيهاً، والجنيه الإسترليني 5810 جنيهات، بينما سجل الجنيه المصري 90 جنيهاً سودانياً.
وقال أحد المتعاملين، مفضلاً عدم ذكر اسمه لـ«سودان تربيون»، إن هناك طلبيات كبيرة على العملات الأجنبية لتغطية استيراد الوقود، كما أن هناك نشاطاً للمضاربات بين تجار العملة توفيراً لأكبر كمية من الدولار.
وأكد الخبير المصرفي وليد دليل أن تراجع قيمة الجنيه السوداني يمثل تحدياً اقتصادياً حاداً يمس الحياة اليومية للمواطنين بصورة مباشرة، لافتاً إلى أن معدلات التضخم تجاوزت مستويات قياسية نتيجة لظروف الصراع المستمر الذي أثر على البنية التحتية والمؤسسات المالية.
وعزا دليل، في حديثه لـ«سودان تربيون»، أسباب تدهور الجنيه السوداني إلى توقف الإنتاج وانهيار الصادرات.
وأوضح أن القطاعات الإنتاجية الحيوية مثل الزراعة والصناعة والتعدين تعرضت لشلل شبه كامل في العديد من المناطق نتيجة لعدم الاستقرار وتعطل سلاسل الإمداد، مضيفاً أن هذا التوقف أدى إلى غياب شبه تام للصادرات السودانية التي كانت توفر العملة الصعبة، مثل الذهب والمنتجات الزراعية، إلى جانب الاعتماد المتزايد على استيراد السلع الأساسية من الخارج، ما يرفع الطلب على الدولار بصورة مستمرة.
كما أشار إلى تراجع التحويلات الخارجية والمساعدات، مبيناً أن تحويلات المغتربين السودانيين عبر القنوات الرسمية انخفضت بنسبة تفوق 70% بسبب توقف أو تضرر النظام المصرفي والبنك المركزي خلال فترات مختلفة.
وأضاف أن من بين الأسباب أيضاً تجميد الدعم الدولي وتوقف معظم القروض والمنح والمساعدات الاقتصادية التي كانت تسهم في دعم احتياطي النقد الأجنبي، إلى جانب العجز المالي والطباعة غير المغطاة للعملة.
وقال دليل إن الحكومة لجأت إلى التمويل بالعجز لتغطية النفقات الحكومية المتزايدة وإدارة الأزمات الطارئة، عبر طباعة كميات جديدة من الجنيه دون غطاء من الإنتاج أو الذهب، الأمر الذي أدى إلى زيادة الكتلة النقدية في السوق وانخفاض قيمتها الشرائية بصورة حادة.
وأكد أن من الأسباب كذلك اتساع السوق الموازي، إذ انتقل الثقل المالي بالكامل إلى السوق السوداء نتيجة ضعف قدرة البنوك الرسمية على توفير النقد الأجنبي للمستوردين والمواطنين، مما جعل تسعير العملة خاضعاً للمضاربات العنيفة وحالات الهلع الشرائي لتأمين الاحتياجات الشخصية والتجارية.
وقال المحلل الاقتصادي هيثم محمد فتحي لـ«سودان تربيون» إن السودان يشهد تراجعاً في القطاعات الإنتاجية للاقتصاد، بما في ذلك الصناعة والتعدين والنفط والزراعة، وهو أمر تفاقم خلال الحرب.
وأضاف أن التجار والمهربين والمضاربين استفادوا من الهيكل الاقتصادي المتغير للبلاد مع صعود اقتصاد التجارة والخدمات على حساب اقتصاد الإنتاج الصناعي والزراعي.
وتابع: «في تقديري، فإن تحقيق الاستقرار في قيمة الجنيه السوداني مرهون بقدرة الحكومة الانتقالية على تنفيذ إصلاحات جوهرية على كافة الصعد، عبر إعادة هيكلة المؤسسات المالية، وتبني سياسات نقدية متوازنة، وكبح التضخم، ودعم القطاعات الإنتاجية، وعودة حركة الإنتاج، إلى جانب إطلاق مشروعات إعادة الإعمار التي ستسهم في دوران عجلة الاقتصاد وخلق فرص عمل، وتشجيع القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية من خلال إيجاد بيئة أعمال محفزة وخالية من الفساد، والتعاون الوثيق مع المجتمع الدولي لضمان تدفق المساعدات المالية والتحويلات من الخارج».
وأضاف أن ذلك من شأنه أن يشكل عاملاً أساسياً في تعزيز قيمة الجنيه ودعم الاحتياطي النقدي وبناء اقتصاد مستدام.
وأشار إلى أن الجدل المتنامي حول استيراد السلع والخدمات الاستراتيجية، وعلى رأسها الوقود، ترك أثراً مباشراً على أسعار السلع المرتبطة بمشتقات الوقود عبر سلسلة الإنتاج والنقل، لافتاً إلى أن فقدان السودان للمناطق المنتجة للنفط وتأثر عائدات عبور وتصدير نفط دولة جنوب السودان، إضافة إلى السياسات الاقتصادية المتناقضة والمتضاربة أحياناً، كلها عوامل ساهمت في تفاقم الأزمة.
وأضاف أن الاقتصاد السوداني يعيش حالياً حالة معقدة تختلط فيها المتغيرات الاقتصادية والنقدية والسياسية، خاصة في ظل غياب التعاون الدولي وشبه توقف المساعدات المالية الخارجية، إلى جانب الأضرار التي ألحقتها الحرب بالبلاد، والارتفاع السريع في أسعار الوقود، وعوامل أخرى أسهمت مجتمعة في انحدار الجنيه السوداني.
كما أشار إلى أن المخاوف في السوق المحلية، التي يغذيها انخفاض قيمة الجنيه، أوقعت العملة في دائرة مفرغة من التراجع والتضخم، مع محدودية أدوات البنك المركزي للتعامل مع الظروف الاقتصادية الراهنة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك