بعد ما يقارب أربعة عقود على وقفها الاعتماد على الطاقة النووية عقب استفتاء 1987 الذي تلا كارثة تشيرنوبيل، تعود إيطاليا اليوم إلى فتح هذا الملف مجدداً ضمن تحول استراتيجي في سياستها الطاقية، وسط جدل واسع بين الحكومة وقطاع الأعمال من جهة، والمعارضة البيئية والسياسية من جهة أخرى.
فموافقة مجلس النواب الإيطالي الخميس الماضي بأغلبية 155 صوتاً مقابل 86 على مشروع قانون" الطاقة النووية المستدامة" تمثل خطوة سياسية مفصلية تعكس إعادة صياغة رؤية روما لمستقبل أمن الطاقة والقدرة التنافسية للاقتصاد الإيطالي داخل أوروبا، خصوصاً في ظل تداعيات أزمة الطاقة التي تفجرت بعد الحرب الروسية الأوكرانية وكشفت هشاشة الاعتماد الأوروبي على واردات الغاز.
تعتبر حكومة جورجيا ميلوني العودة إلى الطاقة النووية خياراً استراتيجياً طويل الأمد لتعزيز أمن الإمدادات وخفض الانبعاثات وتقليل الاعتماد على الخارج، في ظل اعتماد إيطاليا الكبير على واردات الطاقة والغاز وتأثر صناعاتها الثقيلة بتقلبات الأسعار، ما ينعكس على تنافسيتها، وخصوصاً في قطاعات مثل الكيماويات والصلب والسيارات.
ومنذ 2024 تدفع ميلوني الحكومة نحو تهيئة الإطار التشريعي للعودة إلى النووي، معتبرة أنه وسيلة لتحقيق" الاستقلال الاستراتيجي".
وأكدت ميلوني في تصريحات نقلتها وكالة" أنسا" في فبراير/ شباط الماضي أن الطاقة النووية تمثل ركيزة للأمن الطاقي، وجددت هذا التوجه في خطاب أمام البرلمان في مايو/ أيار، مشددة على أن الهدف تقليل التبعية الخارجية وتوفير طاقة أكثر استقراراً وتنافسية للاقتصاد الإيطالي.
ومن روما، أكد لـ" العربي الجديد" المهندس والناشط الإيطالي الفلسطيني عبد السلام خرما، أن" الجدل الذي تعيشه إيطاليا بشأن العودة إلى الطاقة النووية يعكس تغيراً في مزاج بعض الأحزاب السياسية".
وأضاف خرما أن" الأمر لن يكون سهل التطبيق؛ فاليسار وأحزاب البيئة والناشطون يصرون على إجراء استفتاء شعبي، على غرار ما حدث عامي 1987 و2011".
ويرى خرما أن السجال الجاري يأتي" في سياق البحث عن بدائل للطاقة تضمن لإيطاليا استقلالية أكبر، لا سيما بعد الحرب الأوكرانية، وأزمة مضيق هرمز، والتوترات المستمرة في المنطقة".
ومن منظور حكومي، فإن الطاقة النووية تمثل أداة لمعالجة ثلاثية الأبعاد: أمن الطاقة، والتحول البيئي، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي.
ويؤكد وزير البيئة وأمن الطاقة جيلبرتو بيتشيتو فراتين، بحسب ما نقلت عنه وكالة أنسا الإيطالية الخميس الماضي، أن ارتفاع أسعار الكهرباء مقارنة بدول مثل فرنسا وإسبانيا يضع الصناعة الإيطالية في موقع تنافسي أضعف، ما يجعل الخيار النووي، وفق تعبيره، جزءاً من استجابة اقتصادية وهيكلية وليس مجرد قرار بيئي أو تقني.
وتأتي هذه العودة بعد مسار تاريخي متقلب، إذ أغلقت إيطاليا محطاتها النووية في أعقاب تشيرنوبيل، وأجهضت محاولة إعادة الإحياء عام 2011، قبل أن يعود الملف إلى الواجهة اليوم بدفع من تحولات سوق الطاقة الأوروبية والضغوط الاقتصادية المتزايدة على الصناعة المحلية.
وتحتل أسعار الكهرباء موقعاً محورياً في الجدل الدائر حول عودة الطاقة النووية إلى إيطاليا، إذ تؤكد تقارير اتحاد الصناعيين الإيطاليين والحكومة الإيطالية، وفقاً لموقع أخبار تورينو في نهاية العام الماضي، أن الشركات المحلية تتحمل تكاليف طاقة أعلى بكثير من منافساتها في فرنسا وإسبانيا، وهو ما يضعف القدرة التنافسية للصناعة الوطنية ويؤثر بقرارات الاستثمار.
وتستند الحكومة في دفاعها عن المشروع النووي إلى هذه الفجوة السعرية، معتبرة أن توفير مصدر كهرباء مستقر وأقل ارتباطاً بتقلبات أسواق الغاز العالمية قد يشكل أحد مفاتيح تعزيز النمو الصناعي وخفض كلفة الإنتاج على المدى الطويل.
تُظهر المقارنات أن الشركات الإيطالية تدفع أسعاراً للكهرباء أعلى من نظيراتها في فرنسا وإسبانيا، ما يضغط على القدرة التنافسية للصناعة والاستثمار.
وتقر الحكومة بوجود مشكلة هيكلية ناجمة عن الاعتماد الكبير على الغاز الطبيعي، الذي يوفر أكثر من 40% من إنتاج الكهرباء ويجعل الأسعار أكثر عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، بحسب تقرير نشره موقع" الاستثمار" الاقتصادي الإيطالي صيف العام الماضي.
وفي تقرير حديث للبنك المركزي الأوروبي ورد أن أسعار الكهرباء في إيطاليا من بين الأعلى في أوروبا، وأن الدول الأكثر اعتماداً على الوقود الأحفوري المستورد، مثل إيطاليا، تواجه أسعاراً أعلى من الدول التي تعتمد بصورة أكبر على الطاقة النووية أو مصادر الطاقة المتجددة، بحسب ما نقلت وكالة أنسا في فبراير/شباط الماضي.
تطرح إيطاليا العودة إلى الطاقة النووية باعتباره مشروعاً صناعياً واستثمارياً طويل الأمد لتعزيز أمن الطاقة، لكن خبراء الطاقة يؤكدون أن تأثيرها بأسعار الكهرباء لن يكون سريعاً بسبب كلفة البناء وطول فترة الإنجاز قبل التشغيل التجاري.
ويواجه المشروع معارضة من الأحزاب الخضراء ومنظمات البيئة وخبراء اقتصاديين يشككون في جدواه المالية، مستندين إلى تجارب أوروبية اتسمت بتأخيرات طويلة وتجاوزات كبيرة في التكاليف.
كذلك تبرز مخاوف تتعلق بالنفايات النووية ومواقع التخزين والمخاطر البيئية، فيما يدفع المعارضون باتجاه الاستثمار في الطاقة الشمسية والرياح باعتبارها أقل كلفة وأسرع في تحقيق أهداف التحول الطاقي.
ويؤكد حزب الخضر الإيطالي وحركة أوروبا الخضراء أن النووي خيار بطيء ومكلف لا ينسجم مع متطلبات مواجهة أزمة المناخ، وهو الموقف نفسه الذي تتبناه منظمة" رابطة حماية البيئة"، إلى جانب أطراف يسارية أخرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك