تأتي بعض الأزمنة لتمر على المرء كغراب يطير فوق رأسه بصوته المزعج، يذكر بأصوات المدافع وتاريخ الحروب من يوم الغفران لطائرات السنوار، فنتنياهو الذي ولد في أكتوبر لا يدري أيعد شمعة لعيد الميلاد، أم يحضر حجراً عسى أن يرمي به أكتوبر ليخرج من تاريخ العام.
في الحرب الأولى الملحمية من الجيش العربي المصري، كان نتنياهو قد غادر للولايات المتحدة بعد أن أنهى خدمته العسكرية في 72، قبل أن يعود مجدّداً للمشاركة في حرب الغفران، التي لام فيها غولدا مائير لعدم توجيه ضربة استباقية ضد الهجوم العربي في حرب يوم الغفران، كما حدث في حرب الأيام الستة قبل سبع سنوات، ويبني على ذلك أطروحته بأن إسرائيل يجب أن تضرب أولاً عند مواجهة تهديد وجودي.
لكن أكتوبر الأخير وأقصد «طوفان الأقصى» أو طوفان السنوار، فقد أشرف على أن يجعل أكتوبر شهر خير لنتنياهو، فبه تباشر بأن يصنع التاريخ عبر تغيير قواعد اللعبة، فالسنوار أهداه ما سمح له بمسح غزة وقتل آلاف الأبرياء فيها، بل وسار على دباباته في الضفة الغربية ليمحي كل أثر لحلم دولة فلسطينية.
وفي لبنان غيّر قواعد اللعبة ورأى في معركة البياجر رسالة للمنطقة أكثر منها لحزب الله، أراد القول أنا الرائد تقنياً ولذا أستطيع التنصّت لكل أحاديث السراديب، فاغتيال القيادات العسكرية والسياسية في حزب الله تباعاً، بل واستخدم نموذجاً يناسبه لشراء الوقت وتأجيل الانتخابات، لينجو من المحاكمة على قرع طبول الحرب وحصانة المنصب ما دام فيه.
أراد في لبنان كما في حديثه مع جيرانه العرب أن يقول: كما كانت غولدا مائير مخطئة في حرب الغفران، فكذلك كان إيهود باراك حين انسحب من الحزام الأمني في لبنان خلال العام 2000، ولذا عاد للتقدّم برّاً حتى أنه تجاوز نهر الليطاني مباشرة، وبدأ يهدّد باقتحام الضاحية.
قيادات الحوثيين كذلك لم يسلموا من نيرانه، وإن كانوا الأقل اشتباكاً في المعركة خلال الأعوام الماضية، أما درة التاج بالنسبة له فكانت حربين على إيران، سمحت له بمزيد من الاغتيالات للقيادات السياسية والعسكرية، بالإضافة إلى ما اعتاده من اغتيال العلماء.
وفي ظل عنفوان القوة والبدء في تقسيم المنطقة لمعسكرات، يعد فيها بأن ينتهي من الأول ليتصدى للثاني، فالنظام الإيراني لم يسقط ومازال قادراً على ضرب إسرائيل، ولكن هذا ليس الأمر الأكثر سوءاً، فالصراع من شأنه أن يستمر، ومن شأن الحروب أن ترجئ القتال القادم لسنوات.
لكن أتت مواطن الضعف في أشد صيحات القوة، حيث أجبر من حليفه على أن تعود طائراته قبل عام عن ضرب إيران، واليوم يكرر ترمب الرسالة: هناك قائد وحيد للمعركة ويجب عليك أن تلتزم باتفاقاتي، وتضبط وقتك على ساعتي.
ثم تأبى الضربات إلا أن تأتي تباعاً، ومنطلقها داخلياً هو تمرير قانون حل الكنيست في القراءة الأولى، وبحسب القانون إذا مر في القراءتين الثانية والثالثة يحل البرلمان الإسرائيلي، ويتجه الناخبون للتصويت خلال فترة شهرين إلى 90 يوماً بحد أقصى، وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الليكود سيحصل في أفضل التقديرات على 23 مقعداً، وحتى بتكرار التحالف مع «عوتسما يهوديت» برئاسة بن غفير، وحزب «تكوما» برئاسة سموتريش لن يجني أكثر من 50 إلى 55 مقعداً لا تكفي لتشكيل حكومة.
بالطبع حصول قانون حل الكنيست على غالبية الأصوات 106 من 120، يدل على أن أحزاب من ائتلاف نتنياهو ومن المعارضة أيّدته، والمحرك الرئيسي هو تحرك «الخارديم» الأحزاب المتشدّدة لرفض قانون تجنيد أبناء المتدينين، وهو ملف خلافي حيث تختلف معه أحزاب أخرى ترى أنه من غير العدالة أن يجنّد أبناءهم في الجيش دون أبناء المتدينين.
رياح ترمب ورياح الكنيست قد تكون وصفة للسيناريو الأسوأ لنتنياهو، وهو ببساطة خوض الانتخابات اليوم، فإجراء الانتخابات دون حسم على الساحة الإيرانية أو اللبنانية وبقاء جروح أكتوبر 23 في الذاكرة القريبة، وكمية الخسائر البشرية والمادية والنفسية، سينذر ذلك بخسارة كبيرة في الانتخابات المقبلة.
وغالباً سيستعيد الناخب السلوك الذي يمارسه بعد الخسائر الكبرى كما حدث بعد أكتوبر 73، حيث سميت «ماهباخ» أي التحوّل من اليسار الذي أنشأ إسرائيل وحكمها إلى اليمين لأول مرة مع صعود مناحم بيغين بحزب «خيروت» ما يعني الحرية، الذي سُمّي لاحقاً «الليكود»، فهل سيخلد الناخب الإسرائيلي ذكريات أكتوبر مجدّداً؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك